المثقف والسياسي: إشكالية التعايش والتنافر في فضاء السلطة والمعنى:.

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين.

منذ تشكُّل المجتمعات الإنسانية، كان التفاعل بين السياسي والثقافي حتميًا لا محالة، لكنه لم يكن تفاعلاً متناغماً دائماً؛ بل اتّسم، في كثير من الأحيان، بالتوتر، والتنازع، والصمت المتبادل، وأحياناً بالتواطؤ المقنَّع أو الصراع المعلن. إن العلاقة بين السياسي والثقافي علاقةٌ تأسيسية للمجال العمومي، لكنها تظل علاقةً قلقةً، معقّدةً ومركّبة، تضع كلَّ طرف في مواجهة الآخر ضمن لعبة الهيمنة على المجالين الرمزي والفعلي في آنٍ واحد.
في الفضاء الغربي الحديث، وعلى الرغم من التجاوزات التي قد تصدر عن السياسي، فإن وجود منظومة قانونية صلبة، وتقاليد ليبرالية راسخة، قد سمح للثقافي بأن يحتفظ بمكانته بوصفه قوةً مضادة، وصوتًا نقديًا لا يمكن تجاوزه. فالمثقف هناك ليس بالضرورة في موقع السلطة، لكنه في موقع مساءلتها باستمرار، ومشاغبتها حين تميل إلى الانغلاق أو القمع أو التوظيف الدعائي. إن السياسي الغربي، وإن مارس فنَّ المراوغة، يدرك أن سلطته الرمزية معرَّضة دومًا للمراجعة من قِبل العقل الثقافي النشيط، والصحافة، والأوساط الأكاديمية، ومنابر النقد العلني.
أما في السياق العربي والإسلامي، فإن المشهد يختلف جذريًا؛ إذ تشهد العلاقة بين المثقف والسياسي نوعًا من الانفصام الوجودي، حيث يُختزل المثقف إما في موقع الخضوع والخدمة، أو في موقع المعارضة الراديكالية ذات النزعة العدمية. ولا يكاد يوجد موقعٌ وسط، أو مسافة نقدية فاعلة. فالسياسي يحتكر المجال العام، ويخترق الثقافة، ويُعيد هندسة الخطاب عبر شبكات الولاء والانتماءات الضيقة، في حين يُحاصَر المثقف داخل قوالب أيديولوجية أو تراثية أو أخلاقوية مثقلة بالتاريخ أو بالاستيهامات الكبرى. وهكذا يغدو المثقف العربي إمّا تابعًا للسلطة السياسية، يبرّر قمعها ويجمّل استبدادها، أو أسيرًا لأوهام الثورة الشمولية، فاقدًا لحسّه النقدي المستقل.
إن هذه الإشكالية لا يمكن فهمها خارج منطق العلاقة بالسلطة؛ فالثقافة، حين تنفصل عن السياسة، تفقد فعاليتها التغييرية، لكنها، حين تذوب فيها، تتحوّل إلى خطاب دعائي. وبين هذين النقيضين، يتعيّن على المثقف أن يُعيد بناء موقعه بوصفه سلطةً رمزية مستقلة، لا تقبل التبعية، ولا تكتفي بالحياد أو المراقبة.
ولعلّ المعضلة الأساسية تكمن في غياب تصوّر واضح لمفهوم “السلطة الثقافية” في الفضاء العربي، حيث لا تزال السلطة تُفهم غالبًا بمعناها القسري، بينما يُتغافَل عن أن المعنى نفسه سلطة، وأن من يحتكر اللغة يحتكر الوعي. ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست بين المثقف والسياسي، بل بين من يُنتج المعنى ومن يُعيد توجيهه لأغراض السيطرة.
وفي الختام، لا سبيل إلى الخروج من هذه الحلقة المفرغة إلا بإعادة تعريف الثقافة، لا بوصفها ترفًا فكريًا، ولا أداةً للدعاية، بل فعلًا تأسيسيًا في بناء المجال العمومي، وممارسةً دائمةً للمقاومة ضد الاختزال والتبسيط والتواطؤ مع القامع، أيًّا كانت هويته. فالثقافة ليست انعزالًا عن السياسة، بل مساءلةٌ لها من داخلها، ومقاومةٌ لها من خارجها حين تنحرف عن مقصدها الإنساني والعدالي. عندئذٍ فقط يمكن الحديث عن تحالفٍ لا يقوم على التبعية، بل على التكافؤ والتوازن والمساءلة المتبادلة.