– كاتب ومحلل فلسطيني
تمرّ أربعة وعشرون عاماً على اعتقال القائد الوطني الفلسطيني مروان البرغوثي، ذلك الرجل الذي تحوّل من أسير في سجون الاحتلال إلى رمزٍ يتجاوز حدود الزنزانة، ليحضر في الوعي الجمعي الفلسطيني بوصفه عنواناً للوطن، وتجسيداً حياً لفلسفة الصمود والمقاومة. خمسة مؤبدات وأربعون عاماً لم تكن كافية لكسر إرادته، بل زادته صلابةً، حتى بات يُنظر إليه باعتباره “القائد الذي لم ينكسر”.
لم يكن البرغوثي مجرد قائد سياسي في حركة فتح، بل أصبح ظاهرة وطنية جامعة، تختصر في شخصه جدلية القوة والحق، حيث تتجلى فيه إرادة الفلسطيني في مواجهة القيد، وتحويل الألم إلى مشروع تحرر. لقد بلغ تأييده الشعبي ذروته، حتى أصبح الشخصية الأكثر كاريزما وحضوراً في الشارع الفلسطيني، والقادر – وفق إجماع وطني واسع – على توحيد الكل الفلسطيني: من فتح إلى حركة حماس، ومن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وصولاً إلى حركة الجهاد الإسلامي.
إنه القائد الذي بقي واقفاً كالأشجار، لم ينحنِ، ولم تكسره العواصف، بل ظلّ جبلاً فلسطينياً راسخاً، لا تهزه الرياح. من داخل السجن، لم يصمت، بل كتب، وأرسل رسائل الحياة والأمل، مؤكداً أن السجن ليس نهاية الفعل، بل بداية أخرى للحرية. وقد جاء كتابه الأخير ليحمل صوته إلى العالم، حيث قدّمت له زوجته فدوى البرغوثي بكلماتٍ تختصر المعنى: إن هذا الإصدار يتيح للعالم أن يسمع من مروان، لا أن يسمع عنه.
لقد تحوّل البرغوثي إلى رمزٍ وطني عابر للحدود، حتى لُقّب بـ”مانديلا فلسطين”، في استحضارٍ لتجربة نيلسون مانديلا، حيث يتقاطع المساران في معادلة السجن والحرية، والقيد والانعتاق. ولم يكن هذا اللقب مجرد توصيف إعلامي، بل تعبير عن موقعه في الوجدان الفلسطيني والعالمي، خاصة بعد أن حصل على درجة الدكتوراه داخل السجن، في تحدٍّ واضح لكل أدوات القمع والتنكيل.
ورغم ما تعرّض له من تعذيب وعزل، ومنع عائلته ومحاميه من زيارته لسنوات، بقي صوته حاضراً. أكثر من 200 شخصية عالمية، من فنانين وكتّاب ورياضيين، وقّعوا رسائل تطالب بالإفراج عنه، من بينهم بنديكت كامبرباتش، خافيير بارديم، ومارغريت أتوود، في تأكيدٍ على أن قضيته لم تعد فلسطينية فقط، بل إنسانية بامتياز.
إن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا الرجل، الذي يُنظر إليه من قبل الاحتلال كـ”خطر”، هو في الحقيقة – وفق رؤية كثيرين – القائد الفلسطيني الأقدر على صناعة السلام. فهو ليس تهديداً لإسرائيل بقدر ما هو فرصة حقيقية لسلام الشجعان، سلامٍ قائم على العدالة، وعلى توحيد الشعب الفلسطيني خلف مشروع وطني جامع.
يختصر مروان البرغوثي اليوم حالة فلسطينية فريدة: قائد أسير، لكنه حاضر؛ محكوم، لكنه حرّ في الوعي؛ معزول، لكنه في قلب الإجماع الوطني. هو أمل الوحدة، وصوت القضية، وأحد أبرز القادرين على إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني، وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
في زمن الانكسارات، يظل البرغوثي واقفاً، شامخاً كالنخيل، صلباً كالصخر، مؤمناً بأن الحرية ليست حلماً بعيداً، بل حقٌّ ينتظر من ينتزعه. إنه، ببساطة، القائد الذي لم ينكسر.








