– دكتوراه في دراسات غرب آسيا، مفوض العلاقات الخارجية لدى منظمة البيدر للدفاع عن حقوق البدو والقرى المستهدفة
بعد مرور ٢٤ عامًا على اعتقال مروان البرغوثي، القيادي في حركة التحرير الوطني “فتح”، في (١٥ أبريل ٢٠٠٢ )، ما تزال الرواية الإسرائيلية الرسمية، التي تتبناها في كثير من الأحيان وسائل الإعلام الاسرائيلية، تتجاهل الأبعاد السياسية الأعمق، وتقدمه بصورة ثابتة كـ”إرهابي” و”قائد للعنف” مسؤول عن اندلاع الانتفاضة الثانية، وتدعي أنه يرفض السلام ولا يؤمن إلا بالقوة. وهذا ما يجعله، وفق هذا الخطاب، خطرا أمنيا يستوجب إبقاءه في السجن إلى أجل غير مسمى. هذه الصورة تختزل شخصيته ودوره في بعد أمني ضيق، وتتجاهل السياقين السياسي والتاريخي الأوسع، كما تغض الطرف عن مشاركته في الحياة السياسية الفلسطينية وموقفه المعلن الداعم لحل الدولتين.
غير أن قراءة أعمق لمسيرة القائد مروان البرغوثي تكشف أن سجله السياسي أكثر تعقيدا وثراء من هذا الاختزال الأحادي. فهو يمتلك شبكة علاقات سياسية واسعة داخل حركة فتح، وشارك في العملية السياسية الفلسطينية كعضو في اللجنة المركزية لحركة فتح وكنائب منتخب في المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 1996، وأعيد انتخابه وهو داخل السجون الإسرائيلية. هذه الخلفية السياسية لم تكن فقط محلية، فقد بنى علاقات قوية مع سياسيين إسرائيليين ونشطاء سلام وأكاديميين، واعتبر داخل أوساط اليسار الإسرائيلي كـ”شخص فلسطيني يمكن التفاهم معه” لأنه يمتلك شرعية شعبية وسياسية تؤهّله للمشاركة في عملية سلام حقيقية .
خطابه السياسي نفسه يعكس هذا التوازن بين مقاومة الاحتلال والسعي نحو حل سياسي. ففي كتاباته ومواقفه، شدد البرغوثي على أن السلام لا يمكن أن يولد تحت وطأة الاحتلال، وأنه لا يوجد تناقض بين السعي للسلام ومقاومة الاحتلال، معتبرا أن الاحتلال الاسرائيلي هو العائق الأساسي أمام السلام العادل. هذه المواقف توضح أن مواقفه السياسية ليست انعكاسا لرغبة في العنف بحد ذاته، بل نتيجة لتحول العملية السياسية الفلسطينية واحتدام الصراع، ما جعله يرى أن المسار السياسي وحده لم يعد كافيا لتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني.
المشهد المعاصر يعكس بوضوح كيف أن هذه الحقيقة السياسية لم تحتل المكانة التي تستحقها في الخطاب الإسرائيلي الرسمي. فالإصرار على إبقاء البرغوثي في السجن، على الرغم من شعبيته الواسعة داخل صفوف الفلسطينيين وحتى دعم بعض الأصوات الدولية لفكرة إطلاق سراحه لتعزيز عملية السلام، يثير تساؤلات حول دوافع الاحتجاز. فهو، بحسب محللين ومراقبين كثيرين، يجمع بين الشرعية الشعبية والخطاب السياسي المتماسك، وليس معزولا دوليا، ويمكن أن يكون شريكا قويا في أية عملية سلام، وهو ما يجعل وجوده حرا يشكل تهديدا للرواية الإسرائيلية الراسخة وإحراجا سياسيا عند تقديمه كداعية سلام محتجز.
تحول الدور داخل السجن: من أسير سياسي إلى مرجعية وطنية
منذ اعتقاله عام 2002، لم يختفي مروان البرغوثي من المشهد السياسي الفلسطيني، بل شهد دوره تحولا لافتا داخل السجن، حيث انتقل من قائد ميداني وسياسي إلى مرجعية وطنية جامعة. إذ أنه، بخلاف ما سعت إليه إسرائيل من عزله سياسيا عبر السجن المؤبد، تحول الاعتقال ذاته إلى مساحة لإعادة إنتاج الدور القيادي، سواء عبر البيانات السياسية أو المساهمة في بلورة رؤى استراتيجية للحركة الوطنية الفلسطينية. وقد برز ذلك بشكل واضح في مشاركته المحورية بصياغة وثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني (وثيقة الأسرى) عام 2006، التي جمعت قادة فصائل مختلفة داخل السجون الإسرائيلية على برنامج سياسي مشترك يدعو إلى وحدة وطنية فلسطينية وحل سياسي قائم على حل الدولتين على حدود 1967.
داخل السجن، اكتسب البرغوثي مكانة خاصة بين الأسرى، إذ ينظر إليه كصوت عقلاني قادر على الموازنة بين الثوابت الوطنية ومتطلبات العمل السياسي الواقعي. وتشير تقارير حقوقية وصحفية إلى أنه لعب دورا غير معلن في إدارة الإضرابات الجماعية عن الطعام، وفي تهدئة التوترات الداخلية بين الفصائل، ما عزز صورته كقائد وحدوي لا فصائلي ضيق. هذا الدور التنظيمي والسياسي ساهم في ترسيخ حضوره في الوعي الجمعي الفلسطيني، لا بوصفه أسيرا فقط، بل كفاعل سياسي مستمر رغم العزل القسري.
مواقفه من الصراع الحالي: قراءة سياسية من خلف القضبان
رغم القيود المشددة المفروضة عليه، استمر البرغوثي في التعبير عن مواقفه من تطورات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، خصوصا في فترات التصعيد الواسع. ففي رسائل وتصريحات نقلت عبر محاميه وعائلته، أكد مرارا أن انفجار العنف هو نتيجة مباشرة لاستمرار الاحتلال وانسداد الأفق السياسي، محملا إسرائيل مسؤولية تدمير فرص السلام عبر الاستيطان والعقاب الجماعي ورفض الشراكة السياسية الحقيقية .
وفي سياق الحرب على غزة وما تلاها من توتر غير مسبوق في الضفة الغربية، شدد البرغوثي على أن المعالجة الأمنية وحدها لن توفر الاستقرار لإسرائيل، محذرا من أن تجاهل الحقوق الفلسطينية سيؤدي إلى دورات متكررة من العنف. وفي الوقت نفسه، دعا إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية و وحدوية، معتبرا أن الانقسام الداخلي يضعف القدرة على مواجهة الاحتلال سياسيا ودوليا .
رمزية التحدي داخل السجن: البعد السياسي للمواجهة
أفاد محامي الأسير مروان البرغوثي عن تعرض البرغوثي لاعتداءات كثيرة منذ اعتقاله، كان آخرها تعرضه لثلاثة اعتداءات وحشية متتالية في عزله خلال الشهرين الأخيرين، آذار ونيسان 2026، تسببت له بنزيف وإصابات عديدة دون تلقي أي علاج طبي، وهذه الاعتداءات تأتي ضمن سياسة ممنهجة تزامنت مع الذكرى الرابعة والعشرين لاعتقاله. وتندرج هذه الانتهاكات في سياق محاولات متواصلة لكسر إرادة البرغوثي والتأثير على رمزيته السياسية داخل السجون وخارجها، من خلال العزل الانفرادي والتضييق الجسدي والنفسي وحرمانه من أبسط حقوقه الإنسانية، في مسعى لإضعاف حضوره القيادي وتقويض مكانته لدى الشارع الفلسطيني، إلا أن هذه السياسات غالبا ما تقابل بإصرار متزايد يعكس صمود الأسرى في وجه الضغوط الممنهجة.
وكان الظهور العلني لمروان البرغوثي خلال زيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للسجن قد اعاد تسليط الضوء على رمزيته السياسية. فالمشهد، الذي ظهر فيه البرغوثي صامتا و متحديا، حمل دلالات تتجاوز البعد الشخصي، و اعتبره محللون رسالة سياسية مفادها أن السجن لم ينجح في كسر رمزيته أو نزع شرعيته. وقد أثارت الحادثة موجة انتقادات دولية وحقوقية، رأت فيها محاولة إسرائيلية لاستثمار الأسرى سياسيا، في مقابل صمت متعمد من البرغوثي عكس رفضه الانخراط في مسرحية دعائية .
في الختام، تكشف السيرة الحقيقية لمروان البرغوثي أن إسرائيل لا تخشى وجوده الحر لأنه رجل عنف، ولكن لأنها تدرك أنه رجل سياسة ذا شرعية شعبية وقدرة على فرض سلام عادل إذا أتيح له دور سياسي فاعل.
قراءة تطور دور مروان البرغوثي داخل السجن تكشف أن اعتقاله لم ينه تأثيره، بل أعاد تشكيله. فمن خلف القضبان، بات رمزا سياسيا تتقاطع عنده المقاومة والشرعية الشعبية والخطاب السياسي الواقعي. وفي ظل الصراع الحالي، تظل مواقفه، رغم غيابها القسري عن الفضاء العام، حاضرة في النقاش الفلسطيني والإسرائيلي والدولي، باعتباره أحد القلائل القادرين على الجمع بين النضال الوطني وإمكانية تسوية سياسية عادلة.






