الكلمة التي تُشعل الرماد: في جدلية القول والفعل وسلطة المعنى في زمن الانهيار:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين

الكلمة بين العدم والخلود
في زمنٍ يمضي فيه العالم نحو هاويته الحضارية، حيث تتهاوى القيم، ويغدو كلُّ شيءٍ قابلاً للاستهلاك السريع، تبرز الكلمة—لا باعتبارها مجرد وسيلة للتواصل—بل بوصفها قوةً بنيوية تؤسّس للواقع أو تشهد على نهايته. لم يكن المثقف، ولا الفيلسوف، ولا المصلح عبر التاريخ رجالَ أقوالٍ جوفاء، بل كان القول عندهم فعلاً من نوعٍ خاص، فعلاً يؤسّس للكينونة، ويشعل الثورة، ويفتح أبواب المعنى. من هنا نفهم ما قاله نابليون بونابرت، رغم كونه رجل سيف لا قلم: «الكلمة نصف التاريخ». وهي مقولة تختزل، بعمق، العلاقة الجدلية بين اللغة والسلطة، بين الفكرة والفعل، بين ما يُقال وما يتحقق. فالكلمة فعلٌ تأسيسيٌّ لا زخرفٌ لغوي.
الفلاسفة الكبار لم يكونوا شهوداً على التاريخ، بل كانوا صُنّاعه عبر الكلمة. فالكلمة عند أفلاطون لم تكن وسيلة، بل كانت «أداةً لتذكّر الحقيقة»، وفي «المحاورة» لا يسعى سقراط إلى الإقناع، بل إلى إحداث رجّة في وعي المُحاوِر. أما عند هيدغر، فالكلمة تنتمي إلى جوهر الكينونة، إذ يقول: «اللغة بيت الكينونة، وفي هذا البيت يسكن الإنسان». فليس هناك فعلٌ خارج القول، لأن القول يؤسّس للفعل ويُهيّئ له أرضيته الأنطولوجية. حتى جان بول سارتر، في لحظاته الوجودية الملتبسة، لم يتخلَّ عن الإيمان بقوة الكلمة، رغم قناعته بأن الإنسان مُلقى في الوجود دون جوهر سابق. لكنه رأى في «الالتزام الأدبي» فعلاً أخلاقياً وسياسياً يجعل من الكاتب مسؤولاً عن تغيير العالم.
في هذا السياق نفهم ماهية الانفصام المعاصر بين الحلم والفعل؛ فنحن نعيش اليوم اختلالاً جذرياً في التوازن بين الحلم والواقع، وبين الرغبة الشديدة والقدرة على تحقيقها. الحلم لم يعد مشروعاً فردياً ولا جماعياً، بل صار مادةً بصرية تُسوَّق عبر الشاشات، وتُقدَّم كحقنة مؤقتة للهروب من خواء الحياة. يصف زيغمونت باومان، في نظريته حول «الحداثة السائلة»، كيف أصبح الإنسان المعاصر يلهث خلف رغباته دون أن يجد إشباعاً حقيقياً، لأن كل رغبة تولّد رغبة أخرى، وكل إشباع يولّد فراغاً جديداً. في هذا السياق تراجعت الكلمة النبوئية، الكلمة التي تهزّ وتصنع المعنى، لتحلّ محلها لغة إعلانية، ترويجية، تسويقية، تقيس قيمتها بعدد «الإعجابات» والتفاعلات. وهكذا أصبحنا نعيش زمناً قال فيه بعضهم إن «الكلام لا ثمن له»، لكنهم لم يتنبّهوا إلى زمنٍ صارت فيه الكلمة تُباع وتُشترى، وتُوظَّف في صناعة الرأي العام، وتُستخدم لتبرير الحروب أو تزوير الحقائق.
مجمل ما سبق يدفعنا إلى البحث عن الكلمة في عصر الاتصال والانكشاف، بخاصة مع ثورة الهواتف المحمولة ووسائل التواصل، حيث دخلت الكلمة طوراً جديداً من التحوّل: من كونها فعل تفكير وتأمل وبحث عن الحقيقة، إلى سلعة تُستهلك وتُستعمل لأغراض اللحظة. إنها لم تعد تنتظر قارئاً متأنياً، بل متابعاً سريعاً. ومع ذلك، فإن خطورة الكلمة لم تتراجع، بل تضاعفت. يكفي أن تُنشر جملة واحدة عبر «تويتر» أو «فيسبوك» لتشعل احتجاجاً، أو تؤسّس لموجة كراهية، أو تحرّك ضميراً جمعياً. يرى ميشيل فوكو أن الخطاب ليس بريئاً، وأن كل قول يحمل داخله سلطة وينتمي إلى منظومة من «أنظمة المعرفة». وما نراه اليوم ليس نقصاً في الكلمة، بل فائضاً منها، حتى أصبح «التضخم الكلامي» يغرق المعنى ويُضعف الحقيقة. من هنا تصبح الحاجة ماسة إلى صوتٍ آخر، صوتٍ يخرج من عمق الرماد، يُعيد للكلمة قدسيتها، ويؤسس لنبوءة جديدة تُنير الطريق.
فالبحث عن من ينتشل الكلمة من رمادها صار ضرورياً وملحّاً. لذا، فالسؤال المحوري الذي يطرحه الكثيرون: «أين ذاك الذي يقول الكلمة في زمنٍ صار رماداً؟» هو سؤال عن المثقف الذي يشبه العنقاء: يولد من موته، ينفجر من حريقه، ويبعث في رماد الزمن شعلة المعنى. إننا ننتظر من يقول لا «كلاماً كثيراً»، بل «الكلمة الثقيلة» التي تُحرّك الساكن، وتُعيد رسم الحدود بين الواقع والحلم.
في هذا المعنى، تعود إلينا صورة المثقف العضوي عند أنطونيو غرامشي، لا بوصفه حارساً للسلطة، بل كائناً يقف في منطقة التوتر بين الثقافة والواقع، بين الحلم والخذلان، بين اليوتوبيا والواقع السياسي. إنه من يملك الجرأة ليقول ما لا يُقال، ويزرع في صحراء الزمن بذرةً جديدة للمعنى.
في الختام:
إن مجد الكلمة هو ثورة داخلية. وهي، في النهاية، ليست زينة لغوية ولا رفاهية بلاغية، بل سؤال وجودي: كيف نحيا؟ ولأجل ماذا؟ إننا لا نحتاج إلى ضجيج لغوي، بل إلى «كلمة نور»، إلى نداء فلسفي يعيد تشكيل وعينا، ويجعلنا نعيد اكتشاف الإنسان فينا. لقد قال إميل سيوران: «نحن نحيا لأن هناك كلمات لم تُقل بعد». فلنقلها إذن، تلك الكلمة التي تنقذ، تلك الكلمة التي تهدم لتبني، وتحترق لتضيء.