حين تتخلى الحركات التحررية عن فلسفة المقاومة التي وُلدت من رحمها، فإنها تبدأ تدريجياً بفقدان معناها التاريخي ووظيفتها الوطنية. وحركة فتح، التي انطلقت رصاصتها الأولى لتعلن ميلاد الشخصية الوطنية الفلسطينية المعاصرة، لم تكن مجرد تنظيم سياسي عابر، بل كانت حالة ثورية أعادت الفلسطيني من هامش اللجوء إلى مركز الفعل التاريخي، ومن الانتظار إلى صناعة القرار الوطني.
لقد تأسست فتح على فكرة التحرير، وعلى مفهوم الثورة المستمرة، وعلى الإيمان بأن الكفاح المسلح لم يكن مجرد بندقية، بل كان وعياً وجودياً يعيد للفلسطيني حقه في المكان والتاريخ والهوية. ولذلك فإن إلغاء الكفاح المسلح لم يكن مجرد تغيير في الوسائل، بل كان تحولاً عميقاً في جوهر الحركة وفلسفتها ومعناها الأنطولوجي.
لقد تحولت فتح، بعد سنوات طويلة من التسويات والرهانات السياسية، من حركة تحرر وطني إلى سلطة مقيدة باتفاقات أمنية وسياسية جعلتها عاجزة عن حمل مشروعها الأول. وهنا بدأت الأزمة الحقيقية؛ لأن الحركة التي تتخلى عن أدوات مقاومتها تفقد قدرتها على إنتاج الوعي الثوري داخل شعبها، وتتحول إلى بنية بيروقراطية تبحث عن الاستقرار أكثر مما تبحث عن الحرية.
إن الكفاح المسلح في التجربة الفتحاوية لم يكن دعوة إلى العنف العبثي، بل كان تعبيراً عن حق شعب محتل في مقاومة الاحتلال. وكان يمثل الطاقة الرمزية التي تحفظ للحركة هيبتها التاريخية، وتحافظ على وحدة الوجدان الوطني الفلسطيني. وحين أُقصي هذا المفهوم من الخطاب الفتحاوي، بدأت الجماهير تشعر بأن الحركة فقدت شيئاً من روحها الأولى.
ولعل أخطر مظاهر هذا التحول هو انهيار العقيدة الوطنية داخل البنية الأمنية الفلسطينية نفسها. فحين يصبح لدى السلطة عشرات الآلاف من عناصر الأمن والشرطة، دون وضوح فكري أو وطني حول طبيعة العدو الحقيقي، تتحول المؤسسة الأمنية إلى جهاز بلا بوصلة تاريخية. إن أكثر من ثمانين ألف عنصر أمني وشرطي فلسطيني يحملون السلاح اليوم، لكن السؤال الجوهري يبقى: من هو العدو في عقيدتهم الوطنية؟ ولأجل من يحملون السلاح؟ ومن الذي سيقاتلونه إذا سقطت السياسة وسقطت التسويات؟
إن السلاح الذي لا يرتبط بعقيدة وطنية تحررية يفقد معناه، ويتحول من أداة تحرير إلى مجرد وظيفة إدارية داخل نظام سياسي مأزوم. فالثورات لا تبني أجهزتها الأمنية لحماية الواقع القائم فقط، بل لحماية المشروع الوطني التحرري والدفاع عن كرامة الشعب وحقه التاريخي.
وفي خضم هذا المشهد المأزوم، يأتي المؤتمر الثامن لحركة فتح كأنه محاولة لإحياء صورة قديمة فقدت روحها. مؤتمرٌ يبدو، في نظر كثير من الفتحاويين، سراباً يحاكي الوهم، أكثر مما يمثل مراجعة حقيقية لمسار الحركة وأزماتها الفكرية والتنظيمية والوطنية. فالمؤتمرات الثورية الحقيقية تُعقد لإعادة إنتاج المشروع الوطني، لا لإعادة إنتاج الأشخاص والولاءات وموازين النفوذ.
إن أخطر ما تواجهه فتح اليوم ليس خصومها السياسيين، بل فقدانها لذاتها الثورية. فالحركات لا تموت فقط بالهزيمة العسكرية، بل تموت أيضاً حين تفقد فكرتها المركزية ورسالتها التاريخية. وفتح التي صنعت التاريخ الفلسطيني الحديث لا يجوز أن تتحول إلى مجرد إدارة سياسية بلا مشروع تحرري واضح.
لقد كان ياسر عرفات يدرك أن البندقية والسياسة كانتا وجهين متكاملين للمعركة الفلسطينية، ولذلك حافظ على التوازن بين المقاومة والعمل السياسي، بينما أدى اختلال هذا التوازن لاحقاً إلى اهتزاز صورة الحركة داخل الوعي الشعبي الفلسطيني.
إن القضية الفلسطينية ليست قضية تحسين شروط حياة تحت الاحتلال، بل قضية شعب يريد الحرية والاستقلال والعودة. وحين تُختزل الوطنية في الوظيفة والراتب والتنسيق الأمني، فإن المشروع الوطني يفقد قدرته على الإلهام والتعبئة والاستمرار.
ختاماً، يمكن القول إن فتح لن تموت بسبب خصومها، بل قد تموت حين تنسى بداياتها، وتتخلى عن ذاكرتها الثورية، وتلغي جوهرها الكفاحي الذي منحها شرعيتها التاريخية في وجدان الشعب الفلسطيني. فالثورات التي تنسى فلسفة المقاومة تتحول مع الزمن إلى هياكل بلا روح، وإلى أسماء تعيش على أمجاد الماضي أكثر مما تصنع المستقبل.





