رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة
قراءة سياسية وتنظيمية واستراتيجية في مآلات المرحلة المقبلة
شكّل انعقاد المؤتمر الثامن لـ حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح حدثاً سياسياً وتنظيمياً مفصلياً في الحياة الفلسطينية، ليس فقط باعتباره محطة داخلية تخص الحركة الأكبر في النظام السياسي الفلسطيني، بل لكونه جاء في مرحلة استثنائية تتعرض فيها القضية الفلسطينية لتحولات عميقة تمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني ومستقبل مؤسساته السياسية والتنظيمية.
فالمؤتمر انعقد في ظل بيئة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحرب على غزة، والتصعيد الإسرائيلي المتواصل في الضفة الغربية، وتراجع فرص الحل السياسي، وتصاعد الاستيطان، والانقسام الفلسطيني، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب حالة متنامية من فقدان الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية والتنظيمية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، لم تكن نتائج انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري مجرد استحقاق تنظيمي داخلي، بل عكست بصورة واضحة طبيعة التحولات التي طرأت على بنية الحركة الوطنية الفلسطينية، وعلى آليات صناعة القرار داخل فتح، وعلى شكل العلاقة بين التنظيم والسلطة والمشروع الوطني.
أولاً: نتائج المؤتمر تعكس تحولات عميقة في البنية التنظيمية
أظهرت نتائج المؤتمر الثامن أن فتح ما تزال تمتلك القدرة على إعادة إنتاج ذاتها والحفاظ على تماسكها الداخلي رغم حجم التناقضات والتحديات، غير أن هذه القدرة لم تعد مرتبطة فقط بالحضور التنظيمي التقليدي، بل أصبحت خاضعة لتوازنات مركبة تتداخل فيها الاعتبارات التنظيمية والسياسية والمناطقية والاجتماعية والإدارية.
فمنذ المؤتمر السادس، الذي عُقد بعد رحيل ياسر عرفات، طرأت تغييرات جوهرية على طبيعة تكوين المؤتمرات الحركية، سواء من حيث العدد أو من حيث آليات التمثيل والتأثير.
وقد أدى التوسع العددي الكبير في عضوية المؤتمر إلى إضعاف القدرة الفعلية على إدارة حوار تنظيمي وسياسي معمق داخل الأطر واللجان، وتحولت العملية الانتخابية تدريجياً من منافسة تستند إلى البرامج والرؤى إلى ساحة تعكس موازين القوى الداخلية وشبكات النفوذ والتأثير التنظيمي والاجتماعي.
كما أظهرت النتائج تنامي دور ما يمكن وصفه بـ”الكتل التنظيمية الصلبة”، التي باتت تمتلك تأثيراً واسعاً في توجيه الأصوات والتحالفات، الأمر الذي انعكس على فرص العديد من الشخصيات السياسية والفكرية والتنظيمية التي تحظى بحضور وطني أو دبلوماسي لكنها لا تستند إلى قواعد تنظيمية صلبة أو امتدادات داخل مراكز النفوذ التقليدية.
وفي المقابل، حملت النتائج مؤشرات على وجود رغبة داخلية بالتجديد وضخ دماء جديدة، من خلال صعود عدد من الوجوه الشابة والميدانية والتنظيمية، بما يعكس محاولة داخل الحركة لإعادة التوازن بين الشرعية التاريخية ومتطلبات المرحلة الجديدة.
ثانياً: إشكالية الداخل والخارج وتراجع البعد الوطني الشامل
من أبرز القضايا التي أعادت نتائج المؤتمر تسليط الضوء عليها، مسألة التوازن بين الداخل والخارج داخل الحركة الوطنية الفلسطينية.
فالحضور المحدود للأقاليم الخارجية مقارنة بأقاليم الداخل أثار تساؤلات سياسية وتنظيمية حول مدى تمثيل الخارج الفلسطيني داخل مؤسسات الحركة، في وقت يشكل فيه الفلسطينيون في الشتات أحد أهم مكونات القضية الوطنية الفلسطينية تاريخياً وسياسياً.
لقد كان الخارج الفلسطيني لعقود طويلة رافعة أساسية للمشروع الوطني، ومصدراً للحضور السياسي والدبلوماسي والفكري الفلسطيني على المستوى الدولي، غير أن التحولات التي رافقت قيام السلطة الفلسطينية وما تبعها من انتقال مركز الثقل السياسي والتنظيمي إلى الداخل، أدت تدريجياً إلى تراجع تأثير الخارج في صناعة القرار الوطني.
وهنا تكمن واحدة من الإشكاليات الاستراتيجية الكبرى؛ إذ إن انحسار البعد الوطني الجامع لصالح تغليب الاعتبارات المناطقية أو الوظيفية أو المرتبطة بإدارة السلطة، يهدد بإضعاف الطابع التمثيلي الشامل للحركة الوطنية الفلسطينية، ويؤثر على قدرة النظام السياسي الفلسطيني على استيعاب جميع مكونات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة الاعتبار لدور الكفاءات الوطنية والفكرية والسياسية الفلسطينية في الشتات، وإشراكها بصورة أوسع في مؤسسات صنع القرار الوطني، بما يعزز وحدة التمثيل الفلسطيني ويعيد التوازن للمشروع الوطني.
ثالثاً: فتح بين حركة التحرر ومتطلبات السلطة
أحد أبرز التحديات التي كشفتها نتائج المؤتمر يتمثل في استمرار حالة التداخل بين دور فتح كحركة تحرر وطني وبين موقعها كقوة تقود السلطة الفلسطينية.
فهذا التداخل، الذي تعمق خلال العقود الماضية، أدى إلى انتقال جزء كبير من الاهتمام من البعد التحرري الوطني إلى متطلبات الإدارة اليومية والأعباء السياسية والاقتصادية والأمنية المرتبطة بالسلطة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على طبيعة الاصطفافات الداخلية وعلى أولويات العمل التنظيمي والسياسي.
وفي ظل استمرار الانقسام الفلسطيني وتراجع دور المؤسسات الوطنية الجامعة، باتت الحاجة ملحة لإعادة تعريف العلاقة بين الحركة والسلطة، بما يضمن الحفاظ على الطابع الوطني التحرري للحركة، وفي الوقت نفسه تعزيز العمل المؤسسي والحوكمة والشفافية داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية.
رابعاً: اللجنة المركزية الجديدة أمام استحقاقات غير مسبوقة
اللجنة المركزية الجديدة لا تواجه مجرد تحديات تنظيمية داخلية، بل تجد نفسها أمام استحقاقات وطنية شديدة الحساسية، في ظل مرحلة تتعرض فيها القضية الفلسطينية لمحاولات إعادة تشكيل جذرية على المستويات السياسية والجغرافية والديموغرافية.
فالواقع الفلسطيني اليوم يواجه تحديات تتعلق بـ:
تصاعد الاستيطان وفرض الوقائع على الأرض.
محاولات تقويض حل الدولتين.
استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية.
الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة.
تراجع ثقة الشارع الفلسطيني بالمؤسسات.
الانقسام السياسي والجغرافي.
التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة.
ومن هنا، فإن نجاح اللجنة المركزية الجديدة لن يقاس فقط بقدرتها على إدارة التوازنات الداخلية أو الحفاظ على وحدة الحركة، بل بمدى قدرتها على بلورة رؤية وطنية واستراتيجية شاملة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني، وتعزز صمود الشعب الفلسطيني، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
خامساً: استحقاق إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني
إذا كان المؤتمر الثامن قد أعاد ترتيب جزء من البيت الفتحاوي، فإن الاستحقاق الأكبر يبقى مرتبطاً بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة الوطنية والتعددية والعمل المؤسسي.
ويشمل ذلك:
إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتطوير بنيتها التمثيلية.
تعزيز دور المجلس الوطني الفلسطيني بما يضمن تمثيل الداخل والخارج.
إشراك الكفاءات الوطنية والمستقلين بصورة أوسع.
ترسيخ مبدأ تداول المسؤولية وتجديد النخب.
الفصل النسبي بين العمل التنظيمي وإدارة السلطة.
إعادة بناء الثقة الشعبية من خلال الإصلاح والشفافية وسيادة القانون.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب خطاباً وطنياً جامعاً يبتعد عن الاستقطاب والانقسامات الداخلية، ويركز على تعزيز الوحدة الوطنية باعتبارها المدخل الأساسي لحماية المشروع الوطني الفلسطيني.
الخلاصة
رغم كل التحديات والانتقادات، تبقى فتح بحكم تاريخها ورمزيتها ودورها الوطني لاعباً مركزياً في المعادلة الفلسطينية، وأي تحول داخلها ينعكس بصورة مباشرة على مجمل الواقع الفلسطيني.
غير أن المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة؛ إذ لم يعد ممكناً إدارة الأزمات بالأدوات التقليدية ذاتها، ولم يعد الشارع الفلسطيني يكتفي بالشعارات أو التوازنات التنظيمية، بل بات يبحث عن رؤية وطنية واضحة، وإصلاح حقيقي، وقيادة قادرة على التعامل مع التحديات المصيرية التي تواجه القضية الفلسطينية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون على الأشخاص بقدر ما يجب أن يكون على قدرة الحركة والنظام السياسي الفلسطيني عموماً على إجراء مراجعة وطنية شاملة، تستند إلى التجديد والإصلاح والشراكة الوطنية، بما يضمن حماية المشروع الوطني الفلسطيني واستمراره في مواجهة أخطر المراحل التي يمر بها الشعب الفلسطيني منذ عقود.








