جاري التحميل...

المثقف بين الالتزام والسلطة: من المثقف العضوي إلى المثقف العام في السياق العربي

لم يعد سؤال المثقف في العالم العربي سؤالًا ثقافيًا خالصًا، بل غدا سؤالًا حضاريًا وسياسيًا وأخلاقيًا يتصل بمصير المجتمع ذاته. فالمثقف لا يُقاس بما يختزنه من معارف، ولا بما ينتجه من كتب وأبحاث، وإنما بقدرته على تحويل المعرفة إلى قوة اجتماعية فاعلة، وإلى وعي نقدي يساهم في تحرير الإنسان من الاستبداد والجهل والتبعية. ومن هنا فإن أزمة المثقف العربي ليست أزمة أفراد، بل أزمة وظيفة تاريخية تراجعت أمام تحولات الدولة الحديثة، وهيمنة السلطة، وتفكك المجال العام.

لقد وضعت الانتفاضات العربية التي اندلعت مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين المثقف العربي أمام امتحان غير مسبوق. فقد سقطت في تلك اللحظة التاريخية كثير من المسلمات التي حكمت العلاقة بين المثقف والمجتمع، ووجدت النخب الفكرية نفسها أمام جماهير سبقتها إلى الشارع وإلى الفعل السياسي، بينما ظل جزء كبير منها أسير التنظير أو الصمت أو التردد. ولم يكن السؤال يومئذ: أين تقف النخبة؟ بل: لماذا غابت عن اللحظة التي طالما بشّرت بها؟

لقد كشفت تلك الأحداث عن فجوة عميقة بين الخطاب الثقافي والواقع الاجتماعي، وأظهرت أن كثيرًا من المثقفين كانوا أكثر قدرة على تفسير العالم من قدرتهم على المشاركة في تغييره. وهنا تستعيد مقولة كارل ماركس الشهيرة راهنيتها: «لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم، بينما المطلوب هو تغييره.» وهي الفكرة التي سيطورها لاحقًا الفيلسوف والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي في مفهومه عن المثقف العضوي.

يرى غرامشي أن المثقف ليس مراقبًا محايدًا يقف خارج التاريخ، بل هو جزء من الصراع الاجتماعي، ووظيفته الأساسية تكمن في بناء الوعي داخل ما سماه «الكتلة التاريخية»، أي التحالف الاجتماعي القادر على إحداث التحول. فالمثقف العضوي لا يكتفي بإنتاج الأفكار، وإنما ينخرط في الواقع، ويشارك في تشكيل الإرادة الجماعية، ويسهم في تفكيك البنى الفكرية التي تكرس الهيمنة.
ولذلك رفض غرامشي صورة المثقف التقليدي الذي يتوهم استقلاله عن المجتمع، مؤكدًا أن كل معرفة تحمل في داخلها موقفًا من السلطة ومن الإنسان. فالثقافة ليست ترفًا، بل ممارسة تاريخية، أو ما سماه «فلسفة البراكسيس»؛ أي وحدة الفكر والعمل، والنظرية والممارسة.
ومن هذا المنظور، تبدو أزمة المثقف العربي أزمة انفصال بين المعرفة والفعل. فقد بقيت قطاعات واسعة من النخب تدور داخل فضاءات أكاديمية أو إعلامية مغلقة، بينما كانت المجتمعات تواجه تحديات الفقر والاستبداد والانقسام والطائفية والانهيار المؤسسي. وهكذا تحولت الثقافة، في أحيان كثيرة، إلى خطاب نخبوي لا يجد طريقه إلى الناس.
ولعل عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو يفسر جانبًا مهمًا من هذه الظاهرة من خلال مفهوم «رأس المال الرمزي». فالمثقف يمتلك سلطة لا تقوم على المال أو القوة، وإنما على المعرفة والاعتراف الاجتماعي. غير أن هذه السلطة قد تتحول إلى أداة للهيمنة إذا انفصلت عن وظيفتها النقدية، وأصبحت وسيلة لاحتكار الحقيقة أو تكريس الامتيازات الثقافية.
وفي العالم العربي، كثيرًا ما استُخدم هذا الرأس المال الرمزي لإعادة إنتاج النخب نفسها، بدلاً من إنتاج المعرفة الحرة. فتحولت اللغة إلى حاجز يفصل المثقف عن جمهوره، وغدت المصطلحات المعقدة بديلًا عن التواصل الحقيقي مع المجتمع. وهنا لم تعد الثقافة فعلًا للتحرير، بل أصبحت شكلًا من أشكال التمايز الاجتماعي.

أما ميشيل فوكو فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين بيّن أن العلاقة بين المعرفة والسلطة علاقة عضوية، وأن كل سلطة تنتج خطابها المعرفي الخاص، كما أن كل خطاب يسهم في إعادة إنتاج السلطة. فالمعرفة ليست بريئة، بل تدخل في شبكة معقدة من المصالح وآليات الضبط والرقابة.

ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم الكيفية التي تحولت بها بعض النخب العربية إلى جزء من أجهزة الهيمنة، حيث أخذت تبرر الواقع القائم بدل نقده، وتدافع عن المؤسسات السياسية بدل مساءلتها، وتسهم في إعادة إنتاج الخطاب الرسمي تحت شعارات الاستقرار أو الأمن أو المحافظة على الدولة.

وهنا يبرز الفرق الجوهري بين المثقف السلطوي الذي يبرر القوة، والمثقف النقدي الذي يراقبها ويخضعها للمساءلة. فالمثقف الحقيقي لا يقيس مواقفه بميزان المكاسب الشخصية، وإنما بميزان الحقيقة والعدالة، لأن وظيفته الأخلاقية تقتضي الدفاع عن حرية الإنسان قبل الدفاع عن أي سلطة.
وفي هذا السياق يكتسب مفهوم المثقف العام أهمية خاصة. فالمثقف العام لا ينتمي إلى حزب أو مؤسسة بقدر ما ينتمي إلى الفضاء العمومي، ويجعل من العقل النقدي مرجعيته الأولى. وقد دافع إدوارد سعيد عن هذا النموذج حين رأى أن المثقف ينبغي أن يبقى في موقع «قول الحقيقة في وجه السلطة»، وأن يحافظ على استقلاله الأخلاقي، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة هو تحولها إلى أداة للدعاية السياسية أو التبرير الإيديولوجي.
ولذلك كان سعيد يرفض أن يتحول المثقف إلى موظف لدى السلطة أو السوق أو الحزب، لأن المثقف الذي يفقد استقلاله يفقد في الوقت نفسه قدرته على تمثيل الضمير الإنساني.

إن المجتمعات لا تحتاج إلى مثقف يكرر ما تعرفه، بل إلى من يوقظ أسئلتها، ويكشف تناقضاتها، ويفتح أمامها أفقًا جديدًا للفهم والتغيير. فالمثقف ليس خطيبًا فوق منصة، ولا نبيًا يحتكر الحقيقة، بل شريك في صناعة الوعي، ومساهم في بناء المجال العام الذي تتشكل فيه إرادة المجتمع.
إذا كان أنطونيو غرامشي قد منح المثقف العضوي دورًا تاريخيًا في بناء الوعي الجمعي، فإن الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس وسّع هذا الدور، حين ربطه بوجود المجال العام؛ ذلك الفضاء الحر الذي تُناقش فيه القضايا العامة بعيدًا عن هيمنة الدولة أو السوق أو الأيديولوجيا. فالمثقف، في تصوره، ليس زعيمًا سياسيًا، ولا وصيًا على المجتمع، بل فاعلٌ تواصلي يسهم في ترسيخ الحوار العقلاني، وفي إنتاج توافقات اجتماعية قائمة على قوة الحجة لا على حجة القوة.
غير أن المجال العام العربي ظل، في معظم مراحله، هشًّا ومحاصرًا. فقد تعرّض للتضييق بفعل الاستبداد السياسي، كما تعرّض للتشويه نتيجة الخطابات الشعبوية والطائفية، الأمر الذي جعل صوت المثقف النقدي يتراجع أمام ضجيج الدعاية والإعلام الموجَّه. وهكذا أصبح كثير من المثقفين يكتبون داخل دوائر مغلقة، بينما بقيت الجماهير أسيرة الخطاب التعبوي أو الوعي الزائف.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم «العنف الرمزي» عند بيير بورديو، الذي يبيّن أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تُفرض بالقوة المادية، بل تلك التي تجعل الإنسان يقبل خضوعه بوصفه أمرًا طبيعيًا. وقد مارست بعض الأنظمة العربية هذا النوع من العنف عبر المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية، فتم إنتاج مثقفين يكرّرون خطاب السلطة بدل مساءلته، ويعيدون إنتاج الطاعة بدل ترسيخ ثقافة المواطنة.
وفي هذا السياق، برز ما يمكن تسميته «المثقف الزائف»؛ وهو الذي يمتلك أدوات الخطاب، لكنه يفتقد استقلاله الأخلاقي، فيُسخّر معرفته لتبرير الاستبداد، أو لتجميل الفساد، أو لإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية. إن خطورته لا تكمن في جهله، بل في توظيف معرفته لخدمة القوة، فيتحول من حامل للوعي إلى صانع للوهم.

وهنا تكتسب أطروحة زيغمونت باومان حول «الحداثة السائلة» أهمية خاصة. فقد أشار إلى أن الإنسان المعاصر يعيش في عالم سريع التحول، تتآكل فيه اليقينيات، وتتغير المرجعيات، وتصبح الهويات أكثر هشاشة. وفي مثل هذا العالم، لا يعود دور المثقف إنتاج أجوبة نهائية، بل إنتاج أسئلة جديدة تساعد المجتمع على فهم تحولات الواقع.
غير أن جزءًا من النخبة العربية ظل أسير أنماط فكرية جامدة، يتعامل مع الواقع بأدوات تنتمي إلى زمن مضى، بينما كانت التحولات الرقمية والثقافية والسياسية تعيد تشكيل العالم بوتيرة غير مسبوقة. ومن هنا اتسعت الفجوة بين المثقف ومجتمعه، لا بسبب نقص المعرفة، بل بسبب عجزه عن تجديد أدواتها.
ولم تكن أزمة المثقف العربي منفصلة عن أزمة المجتمع نفسه. فالمجتمعات التي تُحرم من حرية التفكير، وتُختزل فيها السياسة إلى ولاءات، والتعليم إلى تلقين، والإعلام إلى دعاية، تنتج بيئة طاردة للعقل النقدي. وفي ظل هذه الظروف، يجد المثقف نفسه أمام ثلاثة خيارات: الاندماج في السلطة، أو الانكفاء إلى الصمت، أو الاستمرار في المقاومة الفكرية رغم ما يترتب عليها من تهميش أو ملاحقة.
غير أن الصمت، مهما كانت مبرراته، لا يُعفي المثقف من مسؤوليته الأخلاقية. فالمعرفة ليست امتيازًا شخصيًا، بل تكليفًا اجتماعيًا. والمثقف الذي يساوم على الحقيقة حفاظًا على منصبه أو مصالحه، يفقد أهم ما يملكه: استقلال ضميره. ولذلك كان إدوارد سعيد يرى أن المثقف الحقيقي هو من يظل قادرًا على «قول الحقيقة في وجه السلطة»، حتى عندما يكون الثمن العزلة أو الإقصاء.
لكن من الخطأ أيضًا أن يتحول المثقف إلى خطيب ثوري دائم، منفصل عن تعقيدات الواقع. فوظيفته ليست التحريض المجرد، بل بناء الوعي، وتفكيك الخطابات المغلقة، وفتح مساحات للحوار، وربط المعرفة بالفعل الاجتماعي. فالثقافة لا تُقاس بكمية الكتب المؤلفة، وإنما بقدرتها على تغيير طرائق التفكير، وتوسيع أفق الحرية، وترسيخ قيم العدالة والمواطنة.
إن المجتمعات العربية اليوم بحاجة إلى نموذج جديد من المثقف؛ مثقف يجمع بين عمق المعرفة ونزاهة الموقف، وبين الاستقلال الفكري والالتزام الأخلاقي، وبين الانفتاح على الفكر الإنساني والوفاء لأسئلة مجتمعه. مثقف لا يعيش في برج عاجي، ولا يذوب في أجهزة السلطة، بل يمارس النقد بوصفه مسؤولية، والحوار بوصفه منهجًا، والحرية بوصفها شرطًا للإبداع.

خاتمة:
إن الأزمة التي يعيشها المثقف العربي ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة تاريخ طويل من الاستبداد، وتآكل المجال العام، وهيمنة الأيديولوجيات المغلقة، واستلاب المؤسسات الثقافية. ومع ذلك، فإن تجاوز هذه الأزمة يظل ممكنًا إذا أعاد المثقف تعريف دوره بعيدًا عن أوهام الوصاية وامتلاك الحقيقة.

فالمثقف، في جوهره، ليس حافظًا للنصوص، ولا موظفًا لدى السلطة، ولا ناطقًا باسم الجماهير، بل هو ضمير نقدي يقظ، وجسرٌ بين المعرفة والواقع، وصوتٌ يدافع عن الإنسان حيثما انتُهكت كرامته.

إن المستقبل لن تصنعه النخب التي تكتفي بوصف الأزمات، بل تلك التي تمتلك شجاعة مراجعة ذاتها، وتغادر يقينها المغلق، وتؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بما تمنحه لصاحبها من سلطة، بل بما تمنحه للمجتمع من حرية. وعندئذ فقط يستعيد المثقف العربي رسالته التاريخية، لا بوصفه شاهدًا على عصره، بل بوصفه أحد صُنّاعه.