بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين
حين نتحدث عن “المثقف”، فإننا نستحضر صورة الكائن الذي يفترض به أن يكون ضمير الأمة وناقدها، وأن يحمل وعياً يتجاوز حدود الرعاع والجموع المنقادة بلا تفكير. لكن ما الذي يحدث حين يتحوّل المثقف ذاته إلى حاملٍ لوعي رعاعي بالكينونة، أي إلى كائن يتبنّى سطحية الوجود ويكرّس تبعية الفكر، بدل أن يكون في طليعة التحرر والتنوير؟ هنا ينقلب الدور من نقد الظلام إلى إعادة إنتاجه.
— أولاً: مفهوم الوعي الرعاعي بالكينونة.
الوعي الرعاعي، في أصله، هو انقياد الإنسان إلى الجماعة بلا مساءلة، ورضوخه لـ”المألوف” الذي يفرضه الجمع. وقد وصف مارتن هايدغر هذا النمط في كتابه الكينونة والزمان حين تحدث عن “الـهم” (Das Man)، أي ذلك الشكل من الوجود الذي يذوب فيه الفرد في القطيع، فيفقد أصالته ويعيش حياةً مستعارة من الآخرين.
لكن حين يصبح المثقف ذاته أسيراً لهذا الوعي، يغدو أخطر من الرعاع أنفسهم، لأنه يضفي على الركون إلى السطحية قناعاً من الفكر والحداثة الزائفة.
— ثانياً: المثقف بين الحرية والارتهان
يرى إدوارد سعيد أن المثقف الحق هو “منفيٌّ دائم”، أي يعيش في حالة قلق ومساءلة مستمرة للسلطات والمألوف، ولا يقبل أن يكون جزءاً من القطيع. غير أن المثقف الرعاعي ينقلب على هذا الدور:
يسعى للاندماج في السلطة الاجتماعية والسياسية بدلاً من نقدها.
يطلب الاعتراف من الحشود لا عبر صدق الفكر، بل عبر ترديد شعاراتها.
يصبح صوته أداة لإعادة إنتاج أيديولوجيا القطيع، لا لفتح أفق الحرية.
في هذا السياق، يمكن استحضار ما قاله غرامشي عن “المثقف التقليدي” الذي يبرّر مصالح السلطة، في مقابل “المثقف العضوي” الذي ينحاز إلى قضايا الناس. المثقف الرعاعي هنا هو استمرار للمثقف التقليدي، مع فارق أنّه لم يعد مجرد موظّف في خدمة السلطة، بل أصبح موظّفاً في خدمة الجماهير المضلَّلة.
–ثالثاً: استلاب الكينونة وتزييف الحضور.
المثقف ذو الوعي الرعاعي بالكينونة يعيش استلاباً مزدوجاً:
1. استلاب أمام الجماعة: حيث يذوب في وعي القطيع طلباً للقبول.
2. استلاب أمام الكينونة نفسها: حيث لا يجرؤ على مواجهة سؤال الوجود، بل يكتفي بالعيش في سطحية اللحظة والشعار.
كما أشار جان بول سارتر، الحرية هي جوهر الإنسان، لكن كثيرين يفرّون منها عبر “سوء النية”، أي التظاهر بالالتزام في حين أنهم مجرد انعكاس للآخرين. المثقف الرعاعي يمارس هذا الهروب، إذ يتظاهر بحمل همّ الحقيقة بينما هو يهرب من الحقيقة إلى ملاذات الشعارات الجماعية.
— رابعاً: بين نيتشه وفوكو: موت المثقف النقدي
قال نيتشه: “أخطر الأعداء هم أولئك الذين يلبسون قناع الصديق”. وهذا ينطبق تماماً على المثقف الرعاعي؛ فهو يتقمّص دور المثقف بينما يقتل جوهر الثقافة النقدية.
أما ميشيل فوكو فقد أشار إلى أنّ السلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل أيضاً عبر إنتاج خطابات. والمثقف الرعاعي يصبح جزءاً من هذه الآلة، إذ ينتج خطابات ظاهرها نقدي وباطنها إعادة إنتاج للاستلاب.
–خامساً: النتائج الوجودية والاجتماعية
_ تزييف الوعي العام: حين يتحوّل المثقف إلى لسان حال القطيع، تُفرغ الثقافة من وظيفتها التحررية.
_ إجهاض الأسئلة الكبرى: بدلاً من مساءلة الكينونة، يكتفي المثقف الرعاعي بإعادة تدوير إجابات جاهزة.
_ تراجع النقد وبروز الاستعراض: الثقافة تتحول إلى عرض مسرحي جماعي يكرّس الوهم لا الحقيقة.
_خاتمة: نحو مثقف حرّ لا رعاعي:
المثقف ذو الوعي الرعاعي بالكينونة هو تجسيد للانهيار الداخلي للفكر، إذ يصبح المكلّف بفتح آفاق الحرية مجرّد بوق لسطحية الوجود. إنّ مهمة الثقافة الحقيقية، كما أشار إليها هابرماس في نظريته عن الفعل التواصلي، ليست ترديد أصوات الجماعة، بل خلق فضاء نقدي عقلاني يُحرر الإنسان من استلابه.
ويبقى السؤال المصيري: هل يستطيع المثقف أن يتجاوز هذا الوعي الرعاعي ليصغي إلى نداء الكينونة الأصيل؟ أم أنّنا محكومون بعصرٍ يغدو فيه المثقف جزءاً من القطيع الذي كان يُفترض أن يقوده إلى الحرية؟