أستاذ المنطق وفلسفة العلوم بآداب عين شمس
يقطع الإنسان مشوار حياته من الميلاد إلى الموت، دون أن يتوقف ليتساءل عن مغزى الحياة ومعناها: لماذا خلقنا؟.. ولماذا نموت؟.. وما جدوى الحياة؟.. وما هدفها؟.. وماذا لو لم نخلق أصلًا؟.. هل لو لم نخرج إلى الدنيا كان سيطرأ أي تغير على الحياة والكون؟.. وما هي التغيرات الخطيرة أو حتى الطفيفة التي ستجعل البشرية؛ بل والكون كله، يستشعر غيابنا بعد موتنا؟.. ما الذي كان سوف يحدث لو أنه لسبب ما اختلف أو تشاجر «الرجل» الذي أصبح أبى مع «المرأة» التي صارت أمي؛ قبل ليلة زفافهما مباشرةً، وبسبب هذا الخلاف والتشاجر لم يتم زواجهما وانتهت علاقتهما إلى الأبد؟ هل لو كان هذا قد حدث؛ كنت جئت «أنا» إلى الدنيا؟.. حتى وإن تزوجت «هي» رجلاً آخر وأنجبت أطفالاً، وتزوج «هو» امرأةً أخرى وأنجب أطفالاً، هل كنت «أنا» بما عليه من سمات وخصائص، واحدًا من هؤلاء الأطفال أو أولئك!!.. هل لو حال أمرٌ ما بين زواج «الرجل» الذي أصبح أبى و«المرأة» التي صارت أمي، هل لو حدث ذلك كنت أتيت أنا إلى هذا العالم؟.. لماذا نذهب بعيدًا: هل لو تأخر الجماع بين أبى وأمي والذى كان من نتيجته إخصاب البويضة التي احتوتني كجنين، لو أن هذا اللقاء الجنسي بينهما تأخر ليلة واحدة أو أكثر؛ هل كنت خرجت أنا إلى هذا العالم؟ قد يخرج طفل آخر، لكن فرصة أن أخرج «أنا» تكون قد ذهبت بلا عودة!!..
أسئلة تتسم بالعبثية كما هي الحياة.. الحياة أيضًا تبدو عبثية.
انتبه الكاتب الفرنسي ألبير كامو إلى هذه العبثية التي تعتري حياتنا، واستعان بأسطورة إغريقية قديمة هي «أسطورة سيزيف» التي تحكى عن رجل يوناني أغضب الآلهة بسبب ارتكابه معصية، فأصدر «زيوس» كبير الآلهة ضده حكمًا بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا ما اقترب من القمة ازداد ثقل الصخرة، فتفلت من بين يديه وتسقط إلى أسفل، فيعود سيزيف إلى رفعها ثانية إلى القمة، لتفلت من بين يديه من جديد حين يقترب من قمة الجبل، ويظل يقوم بهذه المهمة إلى ما لا نهاية. منتهى العبثية!!.. هكذا حياتنا!!.
من المهد إلى اللحد، مثلنا مثل «سيزيف» نواصل مشوار حياتنا، مشوار مليء بالعثرات والعقبات، نسعى للتغلب عليها واجتيازها، ننجح مرة ونفشل مرات، ومع هذا نواصل المسير، نقضى أحلى سنوات عمرنا وأجملها استعدادًا للحياة، نقضيها على مقاعد الدرس في ظل نظم تعليم فاشلة، تؤهل للتقاعد لا للعمل والحياة، وحتى حين انتهاء مراحل التعليم لا نجد عملاً أصلاً، مناسبًا أو غير مناسب!!.
لماذا شاء القدر أن نُولَد هنا وليس هناك؟ لهذا الأب وهذه الأم، وليس ذلك الأب وتلك الأم؟.
المشوار من الميلاد إلى الموت تتخلله بلا شك لحظات بهجة وسعادة، ولكنها ليست كثيرة أو غالبة، لأنه بحكم قوانين الطبيعة التي تجعل ثقل صخرة «سيزيف» يزداد كلما ارتفع بها إلى أعلى الجبل، مما يزيد من احتمال سقوطها، بل يجعل سقوطها حتميًا في النهاية؛ فإن الشيء نفسه يحدث في مشوار حياتنا، إذ كلما كبرنا في السن، حل بنا المرض والعجز والوهن. وكلما بلغنا من العمر عتيًا، اقتربنا من الموت أكثر.
كلها حقائق نعلمها سواء كنا شيوخًا أو شبابًا، لكننا لا نحاول أن نقف أمامها نتأملها، لأننا نشأنا في ظل بيئة ثقافية تنظر إلى مثل هذه المسائل بوصفها أمورًا دينية مقدسة، لا يجوز تناولها بالبحث والفحص في حين أنها أمور تتعلق بحياتنا الاجتماعية والسياسية استثمرها تجار الدين ورجال السياسة لترسيخ أوضاع قائمة بوصفها أقدارًا محتومة.
منذ نعومة أظافرنا ونحن ننظر إلى مثل هذه المسائل على أنها غيبيات تنطوي على أنواع شتى من الترهيب والترغيب المغلفة بالمحظورات، في حين أنني أرى أن حياتنا لو تأملناها جيدًا سنجدها مشروعًا نحن نملك معظم عناصر نجاحه، فقط إذا تمكننا من تحديد أهداف هذا المشروع بدقة، وتخلصنا من مخاوفنا وأوهامنا، وأدركنا عناصر قوتنا، وأبرزها أن حياتنا ملكنا نحن، وأن نحذف «اليأس» من قاموس حياتنا، وأن ندرك أهمية عنصر «الوقت» في إنجاح هذا المشروع، وقبل هذا وبعده: صياغة طريقة جديدة في التفكير تسمح لنا بإعادة فحص ما لدينا من أفكار، وفحص الأفكار السائدة في المجتمع.