في زوايا التاريخ الحادّة، وفي لحظات الانعطاف الكبرى، لا تغيب وجوه أولئك الذين ما دخلوا سجالًا إلا كانوا خصمًا لكل توافق، ولا ظهروا في مشهد إلا كانوا فيه ندبةً في وجه المعنى. إنهم أولئك الذين وصفهم ميلان كونديرا بدقّة حين قال إن الخطأ ليس في العالم، بل في أعينهم؛ تلك الأعين التي تضيق كما تنوء الأفعى بسمّها إن لم تجد جسدًا تنفث فيه نقمتها. هم أشبه بجملةٍ معترضة في كتاب الحياة؛ لا وظيفة لهم سوى التشويش، ولا غاية لهم سوى تعكير الصفو ونسف التفاهم.
هم أولئك الذين لا يمتلكون خيلًا ليهدوها، ولا مالًا ليبذلوه، ولكنهم بارعون في الرجم اللفظي والمعنوي. إذا أشرقت الشمس لعنوا ضوءها، وإذا غربت قذفوها بالحجارة. فهم لا يقيمون في الضوء، بل يسكنون الشقوق، ويتقنون توسيع الصدوع بين الناس كما يتقن النحّات أدواته. وكأنهم يتمثّلون قول فريدريش نيتشه: «بعض الناس يولدون لا ليكونوا أحرارًا، بل ليتمرّدوا على كل قيد، ولو كان عدلًا».
هؤلاء لا يعارضون لأن لديهم بديلًا، بل لأنهم لا يستطيعون العيش إلا في الضجيج. إنهم، كما قال هيغل: «من لا يملك شيئًا ليخسره، يسهل عليه أن ينكر كل شيء». لذا فإنهم، في خصومتهم، لا يحملون مشروعًا، بل نقضًا وجوديًّا لكل مشروع. وإن جُرح أحدهم، ولو عن غير قصد، أقام عالمًا من الصراخ؛ لكنهم يمرّون فوق جثث الأبرياء كما تمرّ الريح على الركام.
وقد نبّه جورج أورويل إلى هذا النمط من التفكير بقوله: «اللغة السياسية صُمِّمت لتجعل الأكاذيب تبدو صادقة، والقتل محترمًا، ولتعطي مظهرًا من الصلابة لما هو محض ريح». فهم بارعون في تزييف الوعي، وتحويل الجلّاد إلى ضحية، والضحية إلى عدوّ يجب إسقاطه. إنهم يشعلون الحروب باسم السلام، ويمارسون الطغيان باسم الحرية، وينشرون السمّ وهم يزعمون أنهم يحملون الدواء.
وعندما يكونون خارج السلطة، يتغنّون بالديمقراطية أكثر من أهل أثينا، وإذا بلغوها صاروا طغاةً لا يحدّهم قانون. لقد أصاب أفلاطون حين قال: «الانتقال من الديمقراطية إلى الطغيان أقرب مما نظنّ، حين يحكم الشعبَ من لا يؤمن به». فهؤلاء لا يؤمنون بالغير إلا إذا ردّد صداه صوتهم، ولا يعترفون بالحق إلا إذا صدر عنهم.
إنهم يتقنون اصطياد النقطة السوداء في أصفى البياض، ويعيدون إنتاج ما يصدر عن الآخرين ليشحِنوه بلغم نواياهم، ويزرعون فيه من فتنتهم ما يكفي لتفجيره من الداخل. لا اليمين أرضاهم، ولا اليسار، ولا الوسط؛ لأنهم بلا بوصلة. لقد أضافوا إلى الجهات الأربع جهةً خامسةً تهبّ منها رياح السموم، كما أضافوا إلى الفصول الأربعة فصلًا خامسًا هو الجحيم.
وقد حذّر برتراند راسل من هذه الذهنية حين قال: «أشدّ أنواع القسوة تأتي من أولئك الذين يعتقدون أنهم فاضلون». وهؤلاء دائمًا على حق في ظنّهم؛ وإن قتلوا الآخرين فذلك، عندهم، دفاعٌ مشروع عن النفس، وإن أُصيب أحدهم قامت الدنيا ولم تقعد.
في عالمٍ تمزّقه الصراعات، ويئنّ تحت عبء الدماء، فإن أقلّ ما يُطلب من هذه الفئة أن تختفي في الجحور التي خرجت منها؛ لعلّ الضوء يتسلّل إلى العقول، ولعلّ البشر يستعيدون حقّهم في الأمل. فكما قال باروخ سبينوزا: «الحرية لا تعني الغياب عن القانون، بل تعني القدرة على التصرّف بالعقل». وهؤلاء يكرهون العقل لأنه يعرّيهم، ويخشون الحقيقة لأنها تنقض أساطيرهم.






