في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا نقف أمام مناسبةٍ للاحتفاء، بل أمام جريمةٍ موثّقة تُرتكب بحق الحقيقة نفسها. في غزة، لم يعد الصحفي شاهدًا على الحرب فحسب، بل صار هدفًا مباشرًا لها. الاستهداف الذي تعرّض له زملاؤنا لم يكن عابرًا ولا عرضيًا، بل جاء ضمن سياقٍ واضحٍ من الضربات التي طالت طواقم إعلامية أثناء أداء عملها، وهو ما وثّقته تقارير وبيانات صادرة عن مؤسسات إعلامية ومنظمات دولية. أكثر من 262 صحفيًا سقطوا منذ اندلاع الحرب، لا لأنهم حملوا سلاحًا، بل لأنهم حملوا الكاميرا، ولأنهم أصرّوا على أن ينقلوا ما يجري.
الاحتلال لم يكتفِ بقصف الحجر، بل طاول البشر الذين يوثّقون. الكلمة أُريد لها أن تُخرس، والصورة أن تُطمس، والرواية أن تُكسر. لكن زملاءنا، وهم يعرفون كلفة الوقوف في صف الحقيقة، مضوا إلى الميدان، لا بحثًا عن الخطر، بل وفاءً لمهنةٍ تُحاكم بالصمت إن تخلّت عن واجبها. لذلك، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد حصيلة دامية، بل مواجهة مفتوحة بين قوةٍ تحاول فرض روايتها بالقوة، وصحافةٍ تصرّ على أن تقول: ما يحدث يجب أن يُرى، ويجب أن يُروى.
في غزة، لم يعد الصحفي شاهدًا على الحرب، بل صار أحد ضحاياها المباشرين. زملاؤنا هناك لا يغطّون الأحداث من مسافة آمنة، بل يعيشون داخلها، تحت القصف، وبين الركام، وفي قلب الخطر. أكثر من 262 صحفيًا ارتقوا شهداء منذ اندلاع الحرب، في رقمٍ لا يمكن عزله عن سياقٍ أوسع من الاستهداف الممنهج. هؤلاء لم يكونوا أرقامًا في نشرات الأخبار، بل وجوهًا مألوفة، أصواتًا تنقل، وعدساتٍ توثّق، وأقلامًا تكتب ما لا يريد العالم أن يراه.
كانوا يخرجون إلى الميدان وهم يدركون أن العودة ليست مضمونة. كانوا يرفعون الكاميرا في وجه الدمار، فيراها البعض أداة نقل، بينما يراها الاحتلال خطرًا يجب إسكاتُه. أكثر من 409 جرحى من زملائنا، بعضهم فقد أطرافه، وبعضهم فقد القدرة على العمل، لكنهم لم يفقدوا إيمانهم بأن الحقيقة تستحق أن تُروى. وفي المقابل، لا يزال 48 صحفيًا خلف القضبان، يتعرّضون للاعتقال والتعذيب والمعاملة المهينة، في انتهاكٍ صارخ لكل القوانين الدولية التي تدّعي حمايتهم.
وفي لبنان، يتكرر المشهد بوجعٍ لا يقل قسوة. 27 شهيدًا من الصحفيين والصحفيات والمصورين والإعلاميين، وأكثر من 32 جريحًا، بعضهم بإعاقاتٍ دائمة. زملاؤنا هناك كانوا في الميدان، ينقلون ما يحدث لحظة بلحظة، قبل أن يتحولوا هم إلى خبرٍ عاجل. لم يكونوا طرفًا في الصراع، بل عينًا تنقل الحقيقة، فكان استهدافهم رسالة واضحة بأن تلك العين يجب أن تُطفأ.
ما نشهده ليس سلسلة حوادث معزولة، ولا أضرارًا جانبية كما يُروَّج. نحن أمام نمطٍ متكرر: استهدافٌ للإعلام لأنه إعلام، ومحاولةٌ لكسر الرواية وطمس الشهادة. إنها حرب على الذاكرة، لأن الصورة التي تُلتقط اليوم قد تُدين غدًا، والكلمة التي تُكتب الآن قد تُسقط سردياتٍ كاملة. لذلك يُستهدف الصحفي، لا لأنه في المكان الخطأ، بل لأنه في المكان الذي لا يريد الاحتلال أن يُرى.
زملاؤنا لم يحملوا سلاحًا، لكنهم حملوا ما هو أخطر في نظر من يخشى الحقيقة: عدسة تُعرّي، وقلمًا يُسمّي الأشياء بأسمائها. كانوا يركضون نحو الدخان، لا بحثًا عن الخطر، بل إيمانًا بأن هناك قصة يجب أن تُروى. كانوا يلتقطون وجوه الأطفال تحت الركام، ويكتبون عن الجوع والخوف والفقد، فيحوّلون الألم الفردي إلى ذاكرةٍ إنسانية لا يمكن إنكارها. وهذا بالضبط ما جعلهم أهدافًا.
الصمت الدولي اليوم لم يعد حيادًا. الحياد أمام استهداف الصحافة انحيازٌ ضدها. الإدانات التي لا تُترجم إلى أفعال تبقى كلماتٍ باردة لا تحمي أحدًا، ولا توقف نزيفًا. القوانين الدولية التي وُضعت لحماية الصحفيين تُنتهك علنًا، بلا مساءلة، وكأنها نصوصٌ وُجدت لتُهمل. أين قيمة الحقيقة إذا كان من ينقلها يُقتل دون حساب؟ وأي معنى لحرية الصحافة إذا كانت تُدفن تحت الركام؟
في هذا اليوم، لا نكتب لنرثي فقط، بل لنؤكّد أن الصحافة، رغم كل شيء، لا تزال تقاوم. زملاؤنا الذين سقطوا لم يُهزموا، بل تركوا لنا إرثًا ثقيلًا: أن نستمر. كل صورة التقطوها، كل كلمة كتبوها، أصبحت شاهدًا حيًا في وجه النسيان. لقد حاولوا إسكات الصوت، لكن الصدى بقي، واتّسع، وتحول إلى ذاكرة لا يمكن محوها.
إن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الرواية. ومن يربح الرواية، يربح الذاكرة، ومن يربح الذاكرة، يكتب التاريخ. لهذا تُستهدف الصحافة بهذه الشراسة. لكنها، رغم ذلك، تستمر. لأن الحقيقة لا تُقتل، بل قد تتأخر أحيانًا، ثم تعود أقوى.
ختامًا، المجد والخلود لزملائنا الشهداء، الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للكلمة الحرة. سنبقى نكتب حيث سقطوا، ونرفع الكاميرا حيث انكسرت، ونحمل الرسالة التي آمنوا بها حتى اللحظة الأخيرة. قد تُطفأ الأضواء، وقد يُحاصر الصوت، وقد تُستهدف الحقيقة، لكنها لا تموت. تبقى، لأن هناك من يؤمن بها، ومن يدافع عنها، ومن يصرّ على أن يراها العالم مهما كان الثمن، مهما اشتدّ القصف، ومهما حاول الاحتلال طمسها، ومهما سقط من زملائنا شهداء وهم يحملون رسالتها. فالحقيقة لا تُهزم، بل تُورَّث، جيلاً بعد جيل، صوتًا لا ينكسر، وضميرًا لا يصمت، وحكايةً لا تُمحى مهما اشتدّت محاولات الطمس. ستبقى حيّة في كل صورةٍ التُقطت، وفي كل كلمةٍ كُتبت، وفي كل شاهدٍ يرفض الصمت، لأن الحقيقة حين تُروى بدمٍ صادق، لا تموت، بل تصبح ذاكرةً خالدة، وعدالةً مؤجّلة لا تسقط بالتقادم.
* ناشط سياسي وكاتب عربي فلسطيني عضو الامانة العامة للشبكة العربية للثقافة والرأي والإعلام/ شيكاغو.






