جاري التحميل...

المغير… القرية التي لا تعرف كيف تنحني

 

في المغير…

ثمة شيءٌ لا تستطيع الكلمات أن تشرحه بسهولة.

شيءٌ يشبه أن تستيقظ كل صباح، فتجد أن الأرض التي ورثتها عن أبيك مهددة، وأن شجرة جدك قد اقتُلعت، وأن البيت الذي ضحك فيه أطفالك صار هدفًا لجرافة، وأن اسم شهيدٍ جديد قد أضيف إلى ذاكرة البلدة.

ثم تمضي…

كأن الحياة تقول لأهل المغير:
هذا يومٌ آخر.

فيقولون لها:
ونحن أهلُ كل الأيام.

هكذا عاشت المغير.

لا لأن وجعها قليل، بل لأن أهلها أكبر من أن يجعلوا الوجع تعريفًا لهم.

جبارين…

هذه الكلمة تليق بهم.

رجالٌ ونساءٌ يعرفون الأرض كما يعرفون وجوه أمهاتهم، ويحفظون أسماء أشجارها وبيوتها وحجارتها، ويعرفون أين مرّ الجد، وأين لعب الطفل، وأين سقط الشهيد.

ولهذا، حين تُقتلع شجرة في المغير، لا تسقط شجرة فقط.

يسقط معها شيءٌ من ذاكرة المكان.

وحين يُهدم بيت، لا تنهار حجارة فقط.

ينهار سقفٌ كان يحمي أحلام عائلة.

وحين يرتقي شهيد…

تدخل أمٌّ جديدة إلى تلك المساحة المقدسة من وجع فلسطين.

ومع ذلك…

المغير موجوعة.

نعم.

لكنها ليست مكسورة.

وهناك فرقٌ بين الاثنين.

ما يحدث فيها ليس خبرًا عابرًا في آخر النشرات.

إنها محاولةٌ متواصلة لدفع الإنسان الفلسطيني بعيدًا عن أرضه، حتى يصبح وجوده نفسه مهددًا.

لكن أهل المغير يقولون، بصمتهم قبل كلامهم:

هذه أرضنا.

وهنا حياتنا.

وهنا قبور آبائنا.

وهنا أشجارنا.

وهنا مستقبل أطفالنا.

وهذا يكفي.

يكفي كي نفهم أن المعركة ليست على قطعة أرض فقط، بل على معنى أن يكون للإنسان بيتٌ لا يخاف عليه، وشجرةٌ لا يخاف عليها، وسماءٌ يستيقظ تحتها دون أن يسأل: ماذا سيحدث اليوم؟

يا أهل المغير…

يا من حملتم هذا الوجع بقلوبٍ لم تتعلم الهوان…

نعرف أن الشهيد لا يُعوّض، وأن البيت حين يهدم لا تعيده الكلمات، وأن الشجرة حين تُقتلع تحتاج أعوامًا كي تعود.

لكننا نعرف شيئًا آخر:

أنكم لستم وحدكم.

المغير من فلسطين.

وفلسطين منكم.

وكل فلسطيني يعرف معنى الأرض، يعرف لماذا يجب أن تبقى المغير واقفة.

اللهم احفظ أهل المغير، وارحم شهداءها، واجبر قلوب أمهاتها، واحفظ أرضها وأطفالها، واجعل بعد هذا العسر فرجًا يليق بصبرهم.

أما أنتم…

يا جبارين المغير،

فلا أملك لكم خطابًا طويلًا.

أملك احترامًا.

واحترامًا يليق بكم.

لأن بعض الناس يرفعون أصواتهم كي يثبتوا قوتهم…

وأنتم أثبتم قوتكم بطريقة أعمق:

بأنكم، رغم كل ما مرّ بكم، ما زلتم تزرعون، وتبنون، وتعيشون، وتحفظون أسماء أرضكم.

وهذا ليس أمرًا عاديًا.

هذا هو المجد حين يصبح عادة.

أن تبقى أنت…

حين يريدون منك أن تصبح غيرك.

وأن تبقى الأرض أرضك…

حين يريدون منك أن تنساها.

وأن يبقى اسم المغير حاضرًا…

حين يريدون للقرى الفلسطينية أن تختفي واحدةً بعد أخرى.

ستبقى المغير.

ليس لأنها لم تُجرح…

بل لأنها تعلّمت أن تحمل جرحها دون أن تمنحه حق تغيير ملامحها.

وسيظل فيها زيتونٌ يعرف أصحابه.

وأطفالٌ يعرفون أرضهم.

وأمهاتٌ يخبئن أسماء الشهداء في قلوبهن.

ورجالٌ يقولون للحياة، كل صباح:

نحن هنا.

وهذه الجملة…

حين تقولها المغير،

تصبح فلسطين كلها واقفةً خلفها.