جاري التحميل...

من العقل الاعتقادي إلى العقل التاريخي, الإنسان بين الكلام والميتافيزيقا والعلم الموضوعي

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليس الإنسان كائناً يولد مكتملاً ثم يمضي في الحياة محافظاً على صورة واحدة من الوعي؛ إنّه مشروعٌ مفتوح على التحوّل، تتبدّل أدواته في النظر إلى ذاته والعالم كلما اتسعت خبرته، وتعمّقت أسئلته، وتحرّر عقله من أسر البداهات الموروثة. ومن هنا فإن تاريخ الإنسان ليس تاريخاً للأحداث وحدها، بل هو، في جوهره، تاريخ لتحولات العقل نفسه: كيف اعتقد؟ وكيف سأل؟ وكيف شكّ؟ وكيف برهن؟ وكيف انتقل من تفسير العالم باللغة الرمزية إلى تفسيره بالمفاهيم والقوانين والمناهج؟
إنّ الإنسان يمرّ بمراحل معرفية ووجودية متعاقبة؛ يبدأ غالباً من العقل الاعتقادي الذي يجد تفسير الأشياء في الأسطورة والمقدّس والموروث، ثم ينتقل إلى العقل الكلامي الذي يحاول أن يمنح الاعتقاد بنيته البرهانية، ثم إلى العقل الميتافيزيقي الذي يتجاوز الظواهر إلى البحث في الوجود وأسبابه ومبادئه الأولى، قبل أن يبلغ، في لحظة الحداثة، أفق العقل العلمي الموضوعي الذي يجعل الملاحظة والتجربة والبرهان والنقد أدواته الأساسية.
وهذه المراحل لا ينبغي أن تُفهم بوصفها سلالم ميكانيكية يلغي بعضها بعضاً؛ فالعقل الإنساني يحتفظ في داخله بطبقات متراكبة من الوعي. قد يعيش الإنسان في عصر علمي متقدم، لكنه يستعيد في بعض مواقفه أساليب التفكير الأسطوري أو الدوغمائي أو الميتافيزيقي. ولذلك فإن الحداثة لا تعني مجرد امتلاك المختبر والتقنية، بل تعني قبل ذلك امتلاك عقل قادر على مراجعة مسلماته، والتمييز بين الرأي والحقيقة، وبين الاعتقاد والمعرفة، وبين السلطة والحجة.

العروي والعقل العام: من سؤال المعرفة إلى سؤال التاريخ

يكتسب هذا التصور عمقاً خاصاً عند المفكر المغربي عبد الله العروي، الذي جعل مسألة الحداثة والعقل والتاريخ من صميم مشروعه الفكري. فالعروي لا ينظر إلى العقل باعتباره ملكة مجردة منفصلة عن شروطها التاريخية والاجتماعية، وإنما يربط تشكل الوعي بالبنية التاريخية التي أنتجته.
وفي هذا السياق يمكن فهم مفهوم العقل العام باعتباره فضاءً تتجاور فيه أنماط مختلفة من التفكير، وفي مقدمتها علم الكلام والميتافيزيقا والعلم الموضوعي. فالعقل الكلامي ينطلق من قضايا الإيمان والعقيدة، لكنه يحاول الدفاع عنها بالحجة؛ والعقل الميتافيزيقي يسعى إلى الكشف عن المبادئ الكلية التي يتأسس عليها الوجود؛ أما العلم الموضوعي فيتجه إلى الظاهرة كما هي، مستنداً إلى الملاحظة والاختبار وصياغة القوانين القابلة للمراجعة.
وهنا تكمن إحدى المسائل الكبرى في أزمة الفكر العربي: هل يستطيع العقل العربي أن ينتقل من استهلاك التراث إلى إنتاج معرفة تاريخية وعلمية جديدة؟
إن السؤال، في العمق، ليس سؤالاً عن التراث وحده، بل عن علاقة الإنسان العربي بالزمن. فالتراث يصبح قوة حين يتحول إلى موضوع للفهم والنقد، ويتحول إلى عبء حين يتحول إلى سلطة تمنع السؤال. ولذلك فإن العروي لا يدعو إلى محو الماضي، بل إلى الخروج من أسر الماضي بوصفه مرجعاً نهائياً للحاضر.
إنّ الحداثة، بهذا المعنى، ليست تقليداً سطحياً للغرب، وإنما هي تغيير في بنية العقل نفسه.

ابن حزم: تحرير المعرفة من سلطان التقليد

إذا عدنا إلى التراث الأندلسي وجدنا عند ابن حزم مثالاً مبكراً على العقل الذي يريد أن يجعل المعرفة قائمة على الحجة لا على الهيبة. فقد خاض معاركه الفكرية ضد التقليد والتعصب المذهبي، وأعطى للبرهان والاستدلال مكانة مركزية في النظر.
ولئن كان ابن حزم ابن بيئته التاريخية، فإن قيمة مشروعه تكمن في أنه لم يقبل أن تكون الحقيقة رهينة بالمكانة الاجتماعية لصاحب القول أو بقدم الموروث. فالحجة عنده لا تستمد قوتها من شهرة قائلها، وإنما من قوة الدليل.
وهنا تبرز قاعدة معرفية شديدة الأهمية:
لا يصبح القول حقاً لأنه موروث، ولا يصبح باطلاً لأنه جديد؛ وإنما يُقاس بقدرته على الصمود أمام العقل والدليل.
وهذه الروح النقدية هي إحدى الشروط الأساسية لتكوين العقل الموضوعي. فالمشكلة ليست في أن يكون للإنسان تراث، وإنما في أن يتحول التراث إلى حصانة ضد النقد.
ابن رشد: المصالحة بين الحكمة والبرهان

أما ابن رشد فقد بلغ هذا السؤال درجة أكثر تركيباً؛ إذ جعل العلاقة بين الحكمة والشريعة والعقل واحدة من القضايا المركزية في مشروعه. وفي كتابه «فصل المقال» دافع عن مشروعية النظر العقلي، واعتبر أن النظر في الموجودات يقود إلى معرفة الصانع، وأن البرهان ليس خصماً للإيمان بالضرورة.
لقد كان ابن رشد يدرك أن العقل لا يستطيع أن يؤدي وظيفته إذا جرى تحريم السؤال عليه. ولذلك فإن قيمة تجربته لا تكمن فقط في آرائه الفلسفية، بل في دفاعه عن مبدأ العقلانية نفسه.
ومن هنا يمكن قراءة ابن رشد بوصفه لحظة فارقة في تاريخ العقل العربي الإسلامي: لحظة حاول فيها الفكر أن يخرج من الثنائية الساذجة التي تجعل الاختيار إما بين الإيمان والعقل، وإما بين التراث والفلسفة.
فالعقل عند ابن رشد ليس عدواً للحقيقة، بل إحدى طرائق الوصول إليها.

ومن هذه الزاوية تلتقي تجربة ابن رشد، رغم اختلاف السياقات، مع ما سيأتي لاحقاً في الفكر الغربي عند كانط حين جعل شعار التنوير: أن يجرؤ الإنسان على استعمال عقله، ومع ديكارت حين جعل الشك المنهجي أداة لإعادة بناء اليقين، ومع كارل بوبر حين ربط المعرفة العلمية بإمكان النقد والدحض.
إن اختلاف هؤلاء المفكرين لا يلغي وحدة السؤال الذي يجمعهم:

كيف يستطيع الإنسان أن يجعل عقله مستقلاً عن الوصاية؟
ابن خلدون: حين خرج العقل من الميتافيزيقا إلى التاريخ
إذا كان ابن رشد قد منح العقل البرهاني مكانة مركزية، فإن ابن خلدون أحدث نقلة أخرى شديدة الأهمية حين جعل المجتمع والتاريخ موضوعاً للفحص والتحليل.
ففي «المقدمة» لم يعد التاريخ مجرد سرد لأخبار الملوك والأمم، بل صار مجالاً للبحث في العمران البشري، والعصبية، والدولة، والاقتصاد، وأحوال الاجتماع الإنساني. والأهم من ذلك أنه وضع الأخبار نفسها أمام محك العقل، فلم يقبل الرواية لمجرد ورودها في كتب السابقين، بل سأل عن إمكانها في ضوء طبيعة العمران.

وهذا تحول معرفي بالغ الأهمية:
لم يعد السؤال: ماذا قيل؟ بل: هل يمكن أن يكون ما قيل قد حدث بالفعل؟
وهنا يظهر العقل التاريخي بوصفه مرحلة متقدمة من العقل النقدي؛ إذ لا يكتفي بفحص الفكرة، بل يفحص شروط إنتاجها وانتقالها واستعمالها.
إن ابن خلدون، بهذا المعنى، لم يكن مؤرخاً بالمعنى التقليدي وحده؛ لقد كان مفكراً في آليات المجتمع، يحاول اكتشاف القوانين التي تتحكم في صعود الدول وسقوطها، وفي انتقال الجماعات من البداوة إلى الحضارة، وفي العلاقة بين السلطة والثروة والعمران.
ومن هنا يمكن القول إن ابن خلدون اقترب مبكراً من سؤال سيصبح مركزياً في العلوم الإنسانية الحديثة: هل للتاريخ قوانين يمكن اكتشافها، أم أنه مجرد تعاقب عشوائي للأحداث؟

من ابن خلدون إلى فيكو وماركس ودوركهايم

وإذا وصلنا ابن خلدون ببعض مفكري الغرب، لا يعني ذلك القول بأنه “سبق” هؤلاء في كل ما ذهبوا إليه، فالسياقات والمناهج مختلفة؛ وإنما يعني أن هناك قرابة في نوع السؤال.

فـجيامباتيستا فيكو نظر إلى التاريخ باعتباره عالماً من صنع البشر يمكن فهمه من خلال الأشكال التي أنتجوا بها حياتهم الاجتماعية والثقافية.
وكارل ماركس نقل تحليل المجتمع إلى مستوى البنية الاقتصادية والصراع الطبقي وعلاقات الإنتاج، محاولاً الكشف عن القوى المادية التي تتحكم في حركة التاريخ.
أما إميل دوركهايم فعمل على ترسيخ علم الاجتماع بوصفه دراسة للوقائع الاجتماعية وفق منهج يطمح إلى قدر من الموضوعية والاستقلال عن الأحكام المسبقة.
ثم جاء ماكس فيبر ليضيف إلى هذا المشهد سؤال المعنى والفعل الاجتماعي، محاولاً الجمع بين تفسير الظواهر وفهم الدوافع التي تمنح الفعل الإنساني دلالته.
وهكذا انتقل العقل تدريجياً من سؤال: ما أصل الوجود؟ إلى سؤال: كيف يعمل المجتمع؟ وكيف يتغير؟ وما القوى التي تحرك التاريخ؟
وهذه النقلة هي جوهر الانتقال من العقل الميتافيزيقي إلى العقل التاريخي والاجتماعي.

ديكارت وكانط: استقلال العقل

في الفلسفة الحديثة يحتل رينيه ديكارت موقعاً تأسيسياً في مشروع إعادة بناء المعرفة على أساس الشك المنهجي. فالشك عنده ليس غاية هدمية، وإنما وسيلة للعثور على يقين لا يستطيع الشك أن يطيحه.
ثم جاء إيمانويل كانط ليضع سؤال العقل نفسه موضع الفحص. فلم يعد السؤال فقط: ماذا نعرف؟ بل: ما شروط إمكان المعرفة؟ وما حدود العقل؟
وفي نصه الشهير حول التنوير، ربط كانط خروج الإنسان من القصور بامتلاكه الشجاعة لاستعمال عقله دون وصاية.
وهنا يلتقي سؤال الحداثة الأوروبية، من زاوية مختلفة، مع سؤال الإصلاح الفكري العربي: كيف يتحرر الإنسان من سلطة العقل المستعار؟
إن استقلال العقل لا يعني رفض المجتمع أو الدين أو التراث، بل يعني أن الإنسان لا يتنازل عن مسؤوليته في الفهم والحكم والنقد.

هيغل وماركس: العقل لا يعيش خارج التاريخ

مع هيغل أصبح التاريخ نفسه مسرحاً لتطور الوعي والحرية. فالعقل لا يظهر في فراغ، وإنما يتجسد في المؤسسات والصراعات والتحولات التاريخية.
ثم جاء ماركس ليعيد قراءة التاريخ من منظور مادي، مؤكداً أن الأفكار لا يمكن فصلها عن الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تنتجها.
وفي القرن العشرين سيذهب ميشيل فوكو أبعد في مساءلة العلاقة بين المعرفة والسلطة، موضحاً أن إنتاج الحقيقة داخل المجتمعات لا ينفصل دائماً عن المؤسسات وأنظمة الخطاب وآليات القوة.
ومن هنا يصبح العقل الموضوعي أكثر تعقيداً مما قد يبدو لأول وهلة؛ فليس كافياً أن نقول: “نحن نملك العلم”، بل علينا أن نسأل أيضاً:
من ينتج المعرفة؟ ومن يملك مؤسساتها؟ ولأي غرض تُستخدم؟ ومن يحدد ما يعد حقيقة وما يعد وهماً؟
باشلار: العلم لا يتقدم بلا قطيعة نقدية

يمنحنا غاستون باشلار مفتاحاً بالغ الأهمية لفهم العقل العلمي؛ فالعلم لا يتقدم فقط بإضافة معلومات جديدة، وإنما يتقدم أيضاً من خلال تصحيح الأخطاء وتجاوز العوائق المعرفية.
فالإنسان لا يدخل العلم بعقل خالٍ من التصورات السابقة؛ بل يدخل إليه محملاً بالبداهات والعادات والصور الذهنية. ولذلك فإن بناء المعرفة العلمية يتطلب مقاومة تلك البداهات حين تتحول إلى عوائق أمام السؤال.
وهنا تتضح قيمة النقد:
العقل العلمي ليس عقلاً يعرف كل شيء، وإنما عقل يعرف أن معرفته قابلة للتصحيح.
وهذه الفكرة تلتقي بصورة عميقة مع مبدأ كارل بوبر في قابلية النظريات العلمية للاختبار والدحض؛ فالنظرية التي لا يمكن اختبارها أو تخطئتها تبتعد عن جوهر المنهج العلمي.

من العقل إلى الوعي التاريخي

غير أن المرحلة الأهم ربما ليست الانتقال من اللاعقل إلى العقل، بل الانتقال من العقل المغلق إلى العقل المفتوح.
فالعقل المغلق يرى الحقيقة ملكية نهائية؛ أما العقل المفتوح فيراها مشروعاً مستمراً للتحقق والمراجعة.
وهنا نستطيع أن نفهم إسهامات مفكرين مثل برتراند راسل وكارل بوبر ويورغن هابرماس، رغم اختلاف مشاريعهم، ضمن أفق واسع يربط العقل بالنقد والحوار وقابلية المراجعة.
كما أن إدوارد سعيد أضاف إلى هذا النقاش بعداً شديد الأهمية حين كشف كيف يمكن للمعرفة أن تتشابك مع علاقات القوة والاستعمار، وكيف يمكن للصور التي ينتجها الآخر عن الشعوب أن تتحول إلى أدوات للهيمنة عليها.
وهكذا لم يعد العقل الموضوعي مجرد عقل تجريبي؛ بل أصبح مطالباً أيضاً بأن يكون واعياً بموقعه، وبشروط إنتاج المعرفة، وبالسلطة التي قد تختبئ وراء الخطاب المعرفي.

الإنسان بين طبقات العقل

إذا جمعنا هذه الخيوط أمكننا أن نتصور رحلة الإنسان الفكرية في أربع طبقات كبرى:
الأولى: العقل الاعتقادي
حيث يطلب الإنسان الأمان في الأسطورة والمقدس والموروث.
الثانية: العقل الكلامي والميتافيزيقي
حيث يحاول أن يمنح الاعتقاد بنية مفهومية وبرهانية، ويسأل عن العلل والمبادئ الأولى للوجود.
الثالثة: العقل العلمي الموضوعي
حيث يصبح العالم موضوعاً للملاحظة والتجربة والقياس والاختبار.
الرابعة: العقل التاريخي النقدي
حيث لا يكتفي الإنسان بمعرفة الأشياء، بل يسأل عن شروط إنتاج المعرفة، وعن علاقتها بالمجتمع والسلطة والتاريخ واللغة.
وهذه المرحلة الرابعة لا تلغي العلم، وإنما تحصّنه من التحول إلى دوغما جديدة.
مأزق العقل العربي المعاصر

إن المأزق الحقيقي في العالم العربي لا يتمثل في نقص التراث الفكري؛ فلدينا ابن حزم، وابن رشد، وابن خلدون، والكندي، والفارابي، والغزالي، والشاطبي، وابن الهيثم، وغيرهم. كما لا يتمثل في غياب الأسئلة الكبرى؛ فقد كانت الحضارة العربية الإسلامية، في مراحل ازدهارها، فضاءً واسعاً للجدل الفلسفي والكلامي والعلمي.
لكن المشكلة تكمن في كيفية تحويل التراث من سلطة ماضوية إلى مادة معرفية حية.
فليس المطلوب أن نعيد إنتاج ابن رشد، ولا أن نكرر ابن خلدون، ولا أن نستنسخ العروي؛ المطلوب أن نتعلم منهم كيف يفكرون.
هذه هي النقطة الفاصلة بين تقديس المفكر والاستفادة منه.
فمن يكرر ابن رشد دون أن يفكر، لم يفهم ابن رشد.
ومن يحفظ ابن خلدون دون أن يمارس النقد التاريخي، لم يفهم ابن خلدون.
ومن يردد العروي دون أن يسائل الواقع العربي، لم يفهم العروي.
إن أعظم وفاء للمفكرين ليس أن نحفظ مقولاتهم، وإنما أن نواصل الأسئلة التي فتحوها.
لا نهضة بلا انتقال من حفظ الحقيقة إلى إنتاجها

إن تاريخ الإنسان هو، في أحد أعمق وجوهه، تاريخ انتقاله من الخضوع للتفسير إلى صناعة السؤال، ومن التسليم بالموروث إلى مساءلته، ومن البحث عن الحقيقة النهائية إلى بناء معرفة قابلة للاختبار والمراجعة.
ومن ابن حزم نتعلم قيمة الحجة في مواجهة التقليد؛ ومن ابن رشد نتعلم أن العقل والبرهان ليسا بالضرورة خصمين للإيمان؛ ومن ابن خلدون نتعلم أن التاريخ لا يُروى فقط، بل يُفكك ويُفسر ويُختبر؛ ومن العروي نتعلم أن العقل لا يمكن فصله عن التاريخ، وأن أزمة الفكر العربي هي في جانب عميق منها أزمة علاقة بالحداثة والزمن.
ومن ديكارت نتعلم الشك المنهجي، ومن كانط استقلال العقل وحدوده، ومن هيغل مركزية التاريخ، ومن ماركس أثر البنية المادية والصراع الاجتماعي، ومن دوركهايم ضرورة المنهج في دراسة المجتمع، ومن فيبر أهمية المعنى، ومن باشلار ضرورة تجاوز العوائق المعرفية، ومن بوبر قيمة النقد وقابلية الدحض، ومن فوكو ضرورة مساءلة العلاقة بين المعرفة والسلطة، ومن إدوارد سعيد ضرورة تفكيك المعرفة حين تتحول إلى أداة هيمنة.
وهكذا لا تكون النهضة الفكرية مجرد انتقال من القديم إلى الجديد، ولا من الشرق إلى الغرب؛ إنها انتقال أعمق:

من عقل يطلب الحقيقة جاهزةً إلى عقل يصنع شروط البحث عنها؛
ومن عقل يخاف السؤال إلى عقل يرى في السؤال بداية المعرفة؛
ومن عقل يقدّس الماضي إلى عقل يفهم الماضي؛
ومن عقل يستهلك المعرفة إلى عقل ينتجها؛
ومن عقل يكتفي بتفسير العالم إلى عقل يمتلك القدرة على تغييره.
فالحضارة لا تبدأ حين تتكاثر الكتب، وإنما حين يتغير نوع العقل الذي يقرأها.
والإنسان لا يصبح حديثاً لأنه يسكن مدينة حديثة أو يستعمل تقنية متقدمة؛ بل يصبح حديثاً حين يتحول السؤال من: «ماذا قال السابقون؟» إلى: «ما الذي يمكن أن نعرفه نحن، وكيف نعرفه، وما الدليل عليه، وما حدود معرفتنا؟»
وعند هذه العتبة يبدأ العقل في الانتقال من الموروث إلى النقد، ومن الميتافيزيقا إلى العلم، ومن العلم إلى الوعي التاريخي، ومن الوعي التاريخي إلى المسؤولية الإنسانية.

وهنا، تحديداً، يصبح العقل مشروعاً للتحرر لا مجرد أداة للمعرفة.