الميديا المؤدلجة وأسطورة الحياد: بين الإيهام بالحقيقة والوقوع في فخ الأيديولوجيا

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

في عالمٍ تتلاطم فيه أمواج الإعلام، وتتشابك فيه خيوط الحقيقة مع الوهم، يبدو الحديث عن إعلامٍ محايد أو «ليبرالي خالص» ضرباً من الخيال. فقد يوحي هذا التصور، كما يرى بعض المفكرين، بوجود مقابل «طاهر» للإعلام المؤدلج؛ إعلامٍ تحرّر من انحيازات السياسة والاقتصاد والهويات العابرة للحدود. غير أن الواقع يؤكد أن مثل هذه الميديا – إن وُجدت – تبقى حلماً عسير المنال، لأن التحرر المطلق من التحيّز لا يمكن تحقيقه في بيئة تُشكّلها المصالح وتحرّكها القوى الكبرى.

لقد بات الإعلام الحديث يُنتج «واقعاً افتراضياً» يتمثل في إعادة تشكيل الأحداث بما يخدم تصوراً أيديولوجياً معيناً. ومن هنا تبرز ضرورة الحذر من انزلاق المجال العمومي إلى ساحة تُحتكر فيها الكلمة من قبل الأقوياء، حيث تصبح الميديا أداةً للهيمنة الرمزية لا وسيطاً للمعرفة والحوار.

وجميعنا يعلم أن الإعلام مؤدلج، وله أدواته وحدوده. فعلى الرغم مما يبدو عليه من حدّةٍ في الخطاب وقوةٍ في التأثير، فإنه في جوهره قد يتحول إلى إعلامٍ «داجن»، فاقدٍ للقدرة على المغامرة والكشف، لأنه خاضع لمنظومة من القيم والتصورات التي يعدّها مطلقة ونهائية. إنه إعلام لا يرى العالم إلا من زاوية واحدة، فيقع في وهم الاحتكار وادعاء العصمة، ويقابل الآخر – المخالف أو حتى المختلف قليلاً – بالإنكار والعدائية.

وهذا النوع من الإعلام يُصاب بما يمكن أن نطلق عليه «بنية التواطؤ»، حيث يتماهى مع السلطة حتى يفقد استقلاله، ويصبح أداةً للترويج بدلاً من أن يكون سلطةً رقابية أو ضميراً مجتمعياً. وليس هذا فحسب، بل إن الصحافة الورقية نفسها قد تغيّرت ملامحها بعد انتقالها إلى الفضاء الرقمي المفتوح.

وقبل انفجار الفضاء الإعلامي، كانت الصحافة التقليدية الحاضنة الرئيسة للإعلام المؤدلج. فقد سادت آنذاك مقولة: «نفّذ ثم نفّذ، أما المناقشة فمحظورة»، وهو ما يشبه ما يمكن وصفه بـ«الخطاب المغلق»، حيث تُمنع الأسئلة وتُقدَّس الأجوبة الجاهزة.

لكن الثورة الفضائية والرقمية لم تُلغِ هذا النمط، بل نقلته إلى فضاء أوسع. فانتشرت آلاف القنوات والمنصات التي تدّعي الحياد، بينما هي مجنّدة بالكامل في معسكرات سياسية أو دينية أو اقتصادية. وهذه الوسائط تشبه – كما يوحي المشهد الإعلامي المعاصر – أجنحة إيكاروس الأسطورية المصنوعة من الشمع، التي ذابت عندما اقترب صاحبها من الشمس، فسقط في لحظة اختبار الحقيقة.

لقد تجلّت الحروب النفسية الجديدة مع تطور العلوم الإنسانية، ولا سيما علم النفس، إذ وُضعت أدوات جديدة في يد الإعلام المؤدلج، فتحوّل إلى سلاح نفسي يُستخدم في حروب غير مرئية. ولم تعد الأكاذيب تُكرّر فقط كما كان يفعل جوزيف غوبلز، وزير إعلام أدولف هتلر، بل أصبحت تُقدَّم في قوالب تبدو علمية، مدعومة بإحصاءات مضلِّلة، وصور منتقاة، وسرديات محكمة، تجعل الكذب أحياناً أكثر إقناعاً من الحقيقة نفسها.

غير أن هذه الحيلة – كما يُنسب إلى تشرشل – لا تصمد طويلاً، فالحقيقة قد تُخفى، لكنها لا تُصنع من العدم. وعندما تنكشف، يكون وقعها أشد وأعمق. فالهزيمة المُعلنة يمكن احتمالها، أما الهزيمة المُنكَرة فتُحدث صدمةً مضاعفة، وتفجّر ما تبقى من الثقة في الخطاب الإعلامي. ومن هنا يبرز التساؤل المشروع: هل يوجد إعلام محايد حقاً، أم أن أقصى ما يمكن بلوغه هو إعلام صادق وشفاف في عرض انحيازاته؟

من المهم أن ندرك أن الإعلام المحايد بصورة مطلقة غير موجود، لكن ثمة نموذجاً يمكن السعي إليه: إعلام يحافظ على حدٍّ أدنى من الصدقية، ولا يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة، ويُفسح المجال للآراء المختلفة، ويضع القارئ أو المشاهد في موقع الفاحص والناقد، لا في موقع التابع والمُلقَّن.

وقد عبّر الفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو عن هذه الفكرة بقوله: «الحرية لا تعني أن تقول ما تريد فحسب، بل أن تتيح للآخر أن يقول ما لا تحب سماعه». وهذا هو المعيار الأهم لإعلام يحترم جمهوره، ويؤمن بأن الحقيقة متعددة الأوجه، لا تختصرها شاشة، ولا تُختزل في نشرة أخبار.

خاتمة

ما بين إعلام يمارس الإيهام بالحقيقة، وإعلام يحاول – بصعوبة وشرف – أن يحافظ على أخلاقيات المهنة، يبقى المتلقي الحلقة الأهم في المعادلة. وعليه أن يدرك أن الحقيقة لا تُمنح جاهزة، بل تُنحت من بين السطور، وتُستخرج من تضارب الأقوال والروايات، لا من انسجامها التام. فالحقيقة لا تسكن في صوت واحد، بل تتجلى غالباً في تعدد الأصوات واختلاف الزوايا.

وفي زمن الأيديولوجيات المقنّعة، لا بدّ من إعلام يسعى إلى الصدق، وإن عجز عن بلوغ الحياد الكامل؛ لأن البديل هو إعلام يريد من العالم أن يتحول إلى صدى لصوته وحده، وذلك ليس سوى الوجه الآخر للاستبداد.