الهويّة الفكرية بدل الهويّة المذهبية: نحو إنسانٍ يتّسع للعالم

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

في الأزمنة التي تتكاثر فيها الأسوار النفسية والرمزية، وتتحوّل فيها الطوائف إلى جزرٍ مغلقة تعيش على الخوف المتبادل، يغدو سؤال الهويّة من أكثر الأسئلة إلحاحًا وخطورة. ذلك أنّ الإنسان لا يُعرَّف فقط بما يؤمن به، بل بالطريقة التي يفكّر بها، وبالقدرة التي يمتلكها على تجاوز الانتماءات الضيقة نحو أفقٍ إنساني أرحب. ومن هنا تتجلّى الحاجة الملحّة إلى الانتقال من الهويّة المذهبية إلى الهويّة الفكرية؛ أي من الانتماء الوراثي المغلق إلى الانتماء العقلي الحر، ومن يقين الجماعة إلى قلق المعرفة الخلّاق.
إنّ الهويّة المذهبية في جوهرها التاريخي تقوم على الاصطفاف، بينما تقوم الهويّة الفكرية على السؤال. الأولى تستمدّ شرعيتها من الموروث المغلق، أمّا الثانية فتستمدّ مشروعيتها من النقد والتأويل وإعادة الفهم. ولهذا كانت الهويّة الفكرية أكثر التصاقًا بالإنسان الكوني، لأنها لا تُقصي المختلف، بل تعتبره ضرورةً معرفية لتوسيع أفق الحقيقة.
لقد فهم ابن رشد هذه الإشكالية مبكرًا حين جعل العقل ميزانًا أعلى من العصبية المذهبية. ففي مشروعه الفلسفي لم يكن أسير انتمائه الفقهي بقدر ما كان منحازًا إلى البرهان بوصفه طريقًا للحقيقة. ولهذا جاءت علاقته الفكرية بـالفارابي وابن سينا أعمق من علاقته بكثير من معاصريه المتقوقعين داخل الحدود المذهبية. لقد أدرك أنّ الحقيقة لا تُختزل في جماعة، وأنّ الفكر لا وطن له سوى العقل.
ولعلّ العبارة الشهيرة التي أطلقها في كتاب فصل المقال حين قال إنّ «الحكمة والشريعة صديقتان» تكشف هذا الوعي العميق بوحدة الحقيقة الإنسانية، حيث لا يعود الدين أداةً للتناحر، بل مجالًا للتأويل العقلي المنفتح. فالعقل عنده ليس خصمًا للإيمان، بل خصمٌ للجمود والتعصّب والانغلاق.
وفي العصر الحديث، سيأتي إيمانويل كانط ليضع الأساس الفلسفي لتحرير الإنسان من الوصاية الفكرية، حين كتب في مقالته الشهيرة ما التنوير؟: «لتكن لديك الجرأة على استعمال عقلك». لم تكن هذه الدعوة مجرّد شعار فلسفي، بل إعلانًا عن ولادة الإنسان الحرّ الذي يصوغ هويته بالوعي لا بالميراث. فالإنسان عند كانط لا يبلغ نضجه إلا حين يتحرّر من الطاعة العمياء للجماعة، ويصبح قادرًا على التفكير الذاتي المستقل.
إنّ الهويّة الفكرية بهذا المعنى ليست تمرّدًا على الجذور، بل إعادة بناء للعلاقة معها على أساس نقدي. فهي لا تدعو إلى محو التراث، بل إلى تحريره من التقديس الأعمى، لأنّ التراث الذي لا يُراجع يتحوّل إلى سجنٍ زمنيّ يعيد إنتاج الانغلاق. وقد تنبّه محمد عابد الجابري إلى هذه المعضلة حين دعا إلى «نقد العقل العربي»، معتبرًا أنّ أزمة الثقافة العربية ليست في نقص التراث، بل في طريقة التعامل معه. فالعقل الذي يكتفي بالتكرار يفقد قدرته على الإبداع، بينما العقل النقدي وحده هو القادر على تحويل الموروث إلى طاقة حضارية حيّة.
ومن هذا المنطلق، تصبح الهويّة الفكرية فعلًا تحرّريًا ضدّ كل أشكال الاستتباع الذهني. فالإنسان الذي يمتلك هويّة فكرية لا يسأل: «إلى أيّ طائفة تنتمي؟» بل يسأل: «كيف تفكّر؟». إنه ينتقل من منطق القطيع إلى منطق الحوار، ومن التماثل القسري إلى التنوّع الخلّاق.
لقد أدرك إدوارد سعيد خطورة اختزال الإنسان في هويّة أحادية، ولذلك دافع عن مفهوم «الهويّة الهجينة» بوصفها فضاءً للتعدّد الثقافي والمعرفي. فالذات الإنسانية عنده ليست قالبًا مغلقًا، بل نسيجٌ متداخل من الخبرات والانتماءات والأسئلة. ولهذا رفض تحويل الانتماء الديني أو القومي إلى قدرٍ نهائي يُقصي الآخر ويشيطنه.
إنّ أخطر ما تُنتجه الهويّات المذهبية اليوم أنّها تحوّل الاختلاف الطبيعي إلى عداء وجودي. فبدل أن يكون التنوّع مصدر غنى حضاري، يصبح ذريعةً للصراع والتكفير والتخوين. وهنا تتجلّى الكارثة الثقافية الكبرى: حين يُختزل الإنسان في طائفته، لا يعود يُرى بوصفه ذاتًا إنسانية مستقلّة، بل بوصفه امتدادًا لجماعة مغلقة. وعند هذه النقطة يتوقّف العقل، ويبدأ العنف الرمزي والمادي.
وقد نبّه علي حرب إلى أنّ أخطر أشكال الاستبداد ليست السياسية فقط، بل الفكرية أيضًا؛ أي حين تتحوّل الأفكار إلى أصنام ذهنية مغلقة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. فالحقيقة الكبرى لا تُحتكر، لأنها أوسع من أيّ مذهب وأرحب من أيّ جماعة.
أما طه عبد الرحمن فقد رأى أنّ تحرير الإنسان يبدأ بتحرير فعله الفكري من التبعية، لأنّ العقل المستقيل لا يمكنه إنتاج حضارة حيّة. فالفاعلية الفكرية لا تتحقق إلا حين يصبح الإنسان شريكًا في صناعة المعنى لا مستهلكًا له.
إنّ الهويّة الفكرية ليست ترفًا نخبويًا كما يُشاع، بل ضرورة وجودية في عالمٍ يتفكّك تحت وطأة العصبيات والانقسامات. إنها مشروعٌ لإنقاذ الإنسان من ضيق الانتماءات المغلقة، وإعادته إلى رحابة السؤال الإنساني المشترك. فحين يرتقي الانتماء من الطائفة إلى الفكر، يتحوّل الإنسان من كائنٍ خائفٍ من المختلف إلى ذاتٍ قادرة على الحوار والتفاعل والإبداع.
ولعلّ المأساة الكبرى في مجتمعاتنا العربية أنّها كثيرًا ما تُربّي أبناءها على الولاء قبل الوعي، وعلى الطاعة قبل التفكير، فتنتج أفرادًا يحفظون أجوبةً جاهزة لكنّهم يخشون طرح الأسئلة. بينما الحضارات العظيمة لم تُبنَ بالمقلّدين، بل بالعقول التي امتلكت شجاعة الشكّ والنقد وإعادة النظر.
إنّ الهويّة الفكرية هي المذهب الأعلى للإنسان الحرّ، لأنها تنتمي إلى العقل لا إلى العصبية، وإلى البرهان لا إلى التلقين، وإلى الإنسان لا إلى الطائفة. وهي وحدها القادرة على إعادة بناء المجال الثقافي العربي على أساس الحوار والتعدّد والكرامة الإنسانية.
فلا خلاص لأمّةٍ تجعل من المذهب سجنًا للعقل، وتحوّل الاختلاف إلى لعنة، وتستبدل التفكير بالولاء الغريزي. إنّ الطريق إلى النهضة يبدأ حين ندرك أنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بما ورثه من انتماءات، بل بما يملكه من قدرة على التفكير الحرّ، والنقد الخلّاق، والانفتاح على الحقيقة بوصفها أفقًا إنسانيًا مشتركًا لا ميراثًا طائفيًا مغلقًا.