في خضمّ الحفر الفلسفي في واقعنا العربي، كثيرًا ما نقع ضحيةَ سرديةٍ مزدوجةٍ تفصل الحاضر عن التاريخ، وتستنسخ في وعينا إمّا شعورًا بالعجز المطلق، وإمّا وهمًا طهرانيًا بالقدرة المطلقة، متغافلين عن أنّ الواقع ـ كما التاريخ ـ لا يتشكّل من سوادٍ مطلق، ولا من بياضٍ محض، وإنّما من جدليةٍ مستمرة بين النور والعتمة، والبناء والانهيار، والنهوض والتراجع. وهذا ما يؤكّده غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل في فلسفته للتاريخ، إذ يرى أنّ صيرورة التاريخ تتشكّل من صراعٍ جدليّ (Dialectic) يُفضي إلى لحظة الوعي الأعلى. وهذه هي اللحظة التي نحتاجها اليوم: لحظة وعيٍ عربيٍّ تاريخي، تنأى عن الانفعالات والعواطف، وتخضع لعقلانيةٍ استراتيجية تتجاوز منطق الشكوى إلى أفق التحليل والتجاوز.
بين ماءين: الجغرافيا بوصفها شرطًا للتاريخ
إنّ الواقع العربي لا يمكن اختزاله في مشهدٍ مأساوي هنا، أو في انفجارٍ هناك، لأنّ التاريخ والجغرافيا يرفضان هذا التبسيط القاتل. لقد امتدّت هذه الأرض ـ كما تشير الوقائع والأنثروبولوجيا ـ بين “ماءين” رمزيين: المتوسط والخليج، النيل والرافدين، الأطلسي والبحر الأحمر… ماءُ البداية وماءُ المصير. ولا يمكن نفي هذا الامتداد الحضاري إلّا عبر تعميةٍ مقصودةٍ للذاكرة.
وهنا نجد محمد عابد الجابري يُلحّ على ضرورة “إعادة قراءة التراث العربي بعقلانية نقدية”، لفهم الامتداد الحضاري بدل اختزاله في لحظة تقهقرٍ أو سقوط.
فالعالم العربي ليس خريطةً معلّقة على الحائط، بل فضاءٌ حضاري كان يومًا مهدًا للحضارات، ومصدرًا للأبجدية الأولى، من حضارة أوغاريت إلى الحضارة الفينيقية والحضارة المصرية القديمة، فضلًا عن كونه موطن الرسالات السماوية، وما يزال ـ رغم التمزّق ـ حبلًا سرّيًا في وعي البشرية.
ومن هنا، فإنّ أي قراءة لا تراعي هذه الحقيقة التاريخية تكون متورّطة ـ كما يقول إدوارد سعيد ـ في خطابٍ استشراقي يُنتج “الآخر العربي” بوصفه كائنًا لا تاريخيًّا، جاهزًا للوصم والفصل عن سياقه الحضاري.
عنف التبسيط والخيانة المنهجية
إنّ أبشع ما يواجه الوعي العربي اليوم هو محاولات الاختزال التي تمارسها بعض النخب المحلية أو بعض القوى الخارجية، عبر تصوير الواقع العربي وكأنّه كتلةُ فشلٍ دائم. وهذا التبسيط ـ كما يسمّيه بيير بورديو ـ ليس بريئًا، بل هو “عنفٌ رمزي” يقوم على خيانة العقل المنهجي، وإعادة إنتاج الهيمنة من خلال الخطاب.
ومن هنا، يتحوّل “الميديائي” الحديث ـ في صورة الإعلام أو بعض النخب الانتهازية ـ إلى قاتلٍ جديدٍ للعقل العربي، عبر ليِّ عنقه، أي عبر منع التفكير التاريخي، وتكريس حاضرٍ عاجزٍ لا يرى أمامه سوى الفشل أو الغيب.
لكنّ العقل النقدي لا يستكين لهذا التصوير. فكما يقول فرانتز فانون:
“كلُّ جيلٍ يجد نفسه مدعوًّا إمّا إلى خيانة مهمّته أو إلى إنجازها.”
وهنا تبرز مهمة الجيل العربي الحالي: تفكيك البُنى التي جعلت من الانهيار قدرًا، ومن الرداءة نظامًا، ومن الغيب سبيلًا للخلاص.
الدولة العربية: بين سلطة الغلبة وغياب العقد
في أغلب البلدان العربية، جرت مصادرة المجال السياسي منذ بدايات الاستقلال الوطني، حيث تحوّلت الدولة من مشروع عقدٍ اجتماعي إلى أداة غلبة. ويمكن الاستئناس هنا بأفكار عددٍ من المفكّرين العرب الذين رأوا أنّ الدولة العربية الحديثة قامت على “تحالفٍ شرس بين السلطوية التقليدية والجهاز الأمني”، الأمر الذي أفقدها مشروعيتها المدنية، وأنتج علاقةً مشوّهة بين المواطن والسلطة.
ومع تساقط شرعية هذه السلطة، تمزّقت علاقة الطاعة الطبيعية، وأصبح الخوف هو الرابط الوحيد بين السلطة والشعب، ما يجعلنا ـ كما يحلّل ميشيل فوكو ـ أمام نظامٍ لا يبحث عن الحق، بل عن الطاعة.
وهذا ما قاد، في نهاية المطاف، إلى الانفجار: انهيار السلطة، وانتفاضات الخوف، وبروز نزاعاتٍ كانت كامنةً في المستنقع الاجتماعي الذي أغلق عليه العسكر جميع منافذ التنفّس.
بين العقد الوطني والعقد الاجتماعي: من التصدّع إلى البناء
اليوم، وبعد هذه الانفجارات المدوّية التي شهدتها عواصم العرب من المحيط إلى الخليج، تطرح النخب العربية المخلصة سؤالًا جذريًا: ما الذي يمكن أن يعيد بناء المجتمعات؟
إنّ الجواب يبدأ من العقد الوطني، أي اتفاق السكان على العيش المشترك ضمن دولةٍ لا تمثّل طائفةً ولا عائلةً حاكمة، بل مجتمعًا موحّدًا. ومن ثمّ يفضي هذا العقد الوطني إلى عقدٍ اجتماعي بالمعنى الذي فهمه جان جاك روسو، أي نظامٍ سياسي يُنتجه الناس أنفسهم، لا يُفرض عليهم بالقوة، ولا يُختزل في مؤسساتٍ شكلية.
وهنا تبرز الحاجة إلى وعيٍ جديد، وإلى طبقةٍ مثقفة غير مرتهنة؛ مثقّفٍ لا يكتفي بالبكاء على الأطلال، ولا بترديد لعنات الاستعمار، بل يمارس وظيفته كما حدّدها جان بول سارتر:
“المثقّف هو من يربط فكره بمعاناة شعبه، ويقاتل ضد اللامعنى.”
فمن دون هذا النمط من المثقفين، تبقى الأمة نهبًا للمتلاعبين بالدين، أو للمتاجرين بالهوية.
خاتمة: ما بعد النكوص
نعم، العالم العربي ليس فردوسًا مفقودًا، ولا جحيمًا خالصًا. إنّه تاريخٌ في طور التشكّل، وشعوبٌ تحاول إعادة الإمساك بخيوط مصيرها، بعد أن عاثت فيها قوى الداخل والخارج تخريبًا.
لكن رغم ذلك، تظلّ البذور كامنة. فما يزال في الإنسان العربي شيءٌ من أنطون مقدسي حين دعا إلى “فكرٍ عربيٍّ حرٍّ غير خائف”، وفيه بقايا من عبد الرحمن الكواكبي الذي رأى أنّ “الاستبداد أصل كل فساد”.
وما يزال هذا الإنسان، على هشاشته، قادرًا ـ إذا نُصر بالفكر لا بالقمع ـ على أن ينبت من بين الركام، كما تنبت شجرةُ زيتونٍ فوق جدارٍ مهدّم.






