جاري التحميل...

انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الامريكي  ثورة صامتة داخل مؤسسات الحزب الديموقراطي

بروفيسور عوض سليمية

باحث في العلاقات الدولية

 

تشهد مؤسسات الحزب الديموقراطي ثورة تصحيح عميقة للمسار التقليدي للحزب وإعادة تعريف للهوية الفكرية والخطاب السياسي؛ وسط تصاعد نفوذ الجيل الشاب من الجناح التقدمي للحزب الذي بدأ تأطيره السيناتور بيرني ساندرز ورفاقه ويتواصل ترسيخه مع شخصيات صاعدة، أبرزها عمدة نيويورك ممداني؛ الى جانب نخبة من جيل الشباب الرافضين لسياسة دفن المبادئ والارث الليبرالي الذي قام عليه الحزب؛ خاصةً التماهي الكامل مع اسرائيل في حروبها وجرائمها ضد الفلسطينيين. هذا الحراك اشبه بانقلاب ناعم على السياسة التقليدية لمؤسسات الحزب التي احتكرت القرار والسياسة؛ حتى باتت أكثر التصاقاً في مواقفها عندما يتعلق الوضع بإسرائيل؛ من الحزب الجمهوري نفسه.

في هذا السياق، تظهر نتائج الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديموقراطي ان الديموقراطيين التقدميين استطاعوا فك الشيفرة الانتخابية الواردة في مضمون تصريحات ترامب وعملوا عليها لمواجهة خصومهم الجمهوريين قبل ان يلتقطها رادار انصار ترامب نفسه وقادة حزب ماجا MAGA؛ في سبتمبر من العام الماضي 2025 فجر ترامب قنبلة في وجه لوبيات اسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها والتي احتكرت السياسة الخارجية للولايات المتحدة لصالح اسرائيل على مدى عدة عقود، على الموقع الاخباري اليميني في واشنطن ” Daily Caller” تجرأ ترامب وتجاوز الخطوط الصفراء عندما قال “اللوبي المؤيد لإسرائيل في واشنطن لم يعد يتمتع بالنفوذ الذي كان يتمتع به في السابق على الكونغرس”؛ ترامب لم يتوقف عند الخط الاصفر بل تجاوز كل الخطوط الحمراء غير المعهودة في العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة واسرائيل؛ واضاف “قبل عشرين عاماً، كان لإسرائيل أقوى لوبي رأيته في حياتي. لم يكن بإمكان أي سياسي أن يوجه أدنى انتقاد. أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك”.

نتائج إعلان ترامب المُتنبئ بمستقبل السياسيين المؤيدين لاسرائيل لم تتأخر كثيراً، بدأت الضربة الكبرى بفوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك مطلع نوفمبر من العام نفسه؛ بالتزامن مع فوز مرشحتي الحزب الديموقراطي بمنصب حاكم الولاية في كل من فرجينيا ونيوجرسي. هذا الفوز منح التقدميين جرعة كبيرة من الامل والقدرة على الاستمرار حتى وصل قطار التغيير الى محطة ولاية ميشيغان احدى اهم الولايات المتأرجحة في الانتخابات الامريكية؛ وكانت لها كلمة الفصل في انتخابات متتالية (2016،2020،2024…) حيث تتقارب اصوات الجمهوريين مع الديموقراطيين في هذه الولاية؛ عندما استيقظ التقدميون صباح اليوم الخميس 6 حزيران/يوليو على انجاز جديد عنوانه “ميشيغان تلتف الى اليسار”؛ حين تمكن المرشح التقدمي عبد الرحمن السيد من حجز بطاقة الترشح عن الديموقراطيين في الانتخابات التمهيدية للتنافس على مقعد الولاية في مجلس الشيوخ، وهو المقعد الذهبي الذي لا بد للديمقراطيين من الفوز به لكي يستعيدوا السيطرة على مجلس الشيوخ. بالمثل؛ فاز التقدمي اليساري ويل لورانس في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للمنافسة في الدائرة السابعة على مقعد في مجلس النواب القادم وسط منافسة شديدة مع زملائه في الحزب الاكثر ارتباطاً بالمؤسسة الحاكمة التقليدية للديمقراطيين في واشنطن.

آلة التقدميين الساعين لإعادة تشكيل الهوية الجديدة للحزب وإعادة توزيع موازين القوى داخله لا تتوقف، بل وتحقق مزيداً من الانجازات. على سبيل المثال، في ولاية مين فاز التقدمي مات دنلاب على منافسه المدعوم من المؤسسة الحاكمة الديموقراطية جو بالداشي للمنافسة على مقعد مجلس النواب. وبدعم كبير من زعيم التقدميين السيناتور ساندرز وزميلته التقدمية رشيدة طليب هزم المرشح التقدمي دونافان ماكيني -عضو مجلس نواب الولاية؛ النائب شري ثانيدار في الانتخابات التمهيدية بولاية ميشيغان عن الدائرة الانتخابية الثالثة عشرة في الكونغرس، وفقًا لموقع “Michigan chronicle” وهو أحدث انتصار للجناح التقدمي في الحزب.

خلال انتخابات الكونجرس الماضي التي جرت اواخر العام 2024، وفاز فيها ترامب بـــ 312 صوت من اصوات المجمع الانتخابي مقابل 226 لصالح منافسته كاملا هاريس، خسر الديموقراطيون مجلس النواب واحتفظوا بـــ 215 مقعداً -حجز المستقلون مقعدان- في العادة يصوتون لصالح الديموقراطيين. مقابل 220 لصالح الجمهوريين من أصل 435 مقعداً. وفي ضربة اضافية للديموقراطيين؛ فاز الجمهوريون ايضاً بمقاعد مجلس الشيوخ 53 مقعداً مقابل 47. وفقاً لهذه الارقام، يتعين على الديمقراطيين الفوز بثلاثة دوائر انتخابية صافية على الاقل حتى يتمكنوا من استعادة مجلس النواب في انتخابات منتصف المدة المقرر إجراؤها يوم 3 نوفمبر 2026. هذا الخيط الانتخابي المشدود ينسحب تلقائياً على الاغلبية في مجلس الشيوخ حيث ستكون المنافسة أكثر سخونةً عل 4 مقاعد من أصل 35 مقعداً خاضعة للتصويت؛ نتائجها ستحدد من هو الفائز في الشيوخ، وفي المحصلة؛ ايِ من الحزبين سيحدد المسار السياسي القادم للرئيس ترامب.

إن فوز التقدميين بالانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي لا يعني بالضرورة ضمان فوزهم امام منافسيهم من الحزب الجمهوري المدعومين من عملاق اللوبي “ايباك” والمسيحيين الانجيليين مع جيوب عميقة وملايين الدولارات من التبرعات المالية السياسية؛ وحملات انتخابية ضخمة ولجان العمل السياسي PACs المنتشرة بعشرات الآلاف من المتطوعين في كل الارض الامريكية؛ والتي تعلب دوراً محورياً في توجيه المزاج الانتخابي وتحديد من هو الفائز مع نهاية السباق الانتخابي. وبالتالي، فإن بطاقة الترشح ليس إلا المحطة الاولى في المعركة الانتخابية الحقيقية التي لم تبدأ بعد؛ وتحتاج الى حشد كل الامكانيات والموارد والخبرات المتاحة الى جانب بناء أدوات سياسية وتنظيمية وتمويلية تماثل أو -على الأقل تحد من الفجوة مع، البنية الانتخابية التي راكمها خصومهم على مدار عقود ماضية.

رغم ذلك، اظهرت النتائج التي أحرزها التقدميون ان خطوطاً عريضة قد بدأت تترسم امام المؤسسة الحاكمة للحزب الديموقراطي، مع الانجازات المبهرة للجيل التقدمي الشاب الذين قرروا الخروج من خيام الاعتصام في الجامعات والحدائق العامة الى ساحة العمل الرئيس لوضع خطاً احمراً للتمييز بين سياسات الحزب الديموقراطي والحزب الجمهوري فيما يتعلق بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني، الى جانب العديد من القضايا الداخلية مثار اهتمام الناخب الامريكي وفي مقدمتها الاوضاع الاقتصادية السيئة. هذا الاجتياح الكبير لليسار التقدمي -الذين يصفهم ترامب بالشيوعيين، قيد هامش المناورة امام الحرس القديم الذي تقلصت خياراته لتنحصر فقط بوجوب توفير كل ما يلزم لهؤلاء المرشحين للحفاظ: اولاً؛ على وحدة الحزب وثانياً؛ ضرورة تحقيق الفوز في الانتخابات؛ لان أي انتكاسة جديدة للحزب ستؤثر سلباً على الجميع؛ وربما تفضي في حال وقوعها الى انقسامات داخلية كبيرة؛ تدفع جيل الشباب لمغادرة البيت الديموقراطي القديم نحو تأسيس حزب جديد وهذا آخر ما تريده المؤسسة الحاكمة للحزب.

في الواقع، تشير الاحداث القائمة مدعومة بمؤشرات استطلاع الرأي للأمريكيين، ان معظم العوامل التي ساهمت في إنهاء فترة حكم الرئيس بايدن وخسارة الديموقراطيون لمنصب الرئيس وللأغلبية في اهم مركزي صنع القرار في واشنطن، مجلسي النواب والشيوخ لصالح الجمهوريين؛ ما تزال حاضرة بقوة خلال ولاية الرئيس ترامب. منها على سبيل المثال (الحرب الروسية-الاوكرانية، حرب الابادة على قطاع غزة والعدوان المستمر على الضفة الغربية والقدس المحتلة، توتر العلاقات مع الصين). بل واضاف اليها الجمهوريون حرباً جديدة مع إيران مع كل ما ترتب عليها من مواجهات وخسائر امتدت لتشمل لبنان؛ سوريا؛ اليمن ودول الخليج العربي…؛ ومع الاخفاقات المتتالية للجمهوريين -حتى الان؛ في اغلاق ايٍ من هذه الملفات القديمة او تبريد الجبهات الساخنة الجديدة وما انتجته من تدهور حاد في شعبية الحروب التي تبنها ترامب في الداخل الامريكي؛ فإن فرص تحول هذه الاخفاقات الى رافعة انتخابية قادرة على إعادة الديموقراطيين الى مركز صنع القرار تتزايد؛ غير ان هذه العودة -في حال تحققت؛ لن تكون عودة تقليدية بل بقيادة ورؤية سياسية جديدة؛ لم تعهدهما دوائر صنع القرار ولوبيات النفوذ ومنها “ايباك” ولا نخب واشنطن الحاكمة من كلا الحزبين منذ عهد الرئيس ترومان. عندها يمكن القول ان موجات الاصلاح السياسي والسلطات المتجددة التي طالما نادى بها ترامب حول العالم، قد بدأت تتشكل فعلياً داخل واحده من اهم مؤسسات واشنطن الحزبية، وليس خارج حدودها.