جاري التحميل...

بركان تحت الرماد… ومن يصنع الاحتقان لا يحق له أن يتفاجأ بنتائجه

ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة لم يعد مجرد أخبار عابرة، بل أصبح واقعًا يوميًا يثقل كاهل الإنسان الفلسطيني ويضع العالم أمام اختبار أخلاقي عسير. فبينما تتواصل عمليات التوسع الاستيطاني، وتتعرض الأراضي للمصادرة، والمزارع للحرق، والقرى لاعتداءات متكررة، يجد الفلسطيني نفسه مطالبًا كل يوم بالدفاع عن أبسط حقوقه: أن يعيش بأمان على أرضه.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه التجمعات الفلسطينية للهدم، وتُقتلع الخيام، وتُصادر الأراضي، ويزداد الفقر مع الأزمات الاقتصادية وتعطيل الإيرادات، يبدو أن ميزان العدالة الدولية يعاني خللًا صارخًا. فحين يكون الضحية فلسطينيًا، كثيرًا ما تتحول المآسي إلى أرقام، بينما تستنفر المنابر الدولية عند وقوع أي حادث يمس الطرف الآخر. هذا التفاوت في التعاطي مع حياة الإنسان يترك جرحًا عميقًا في وجدان شعب يشعر بأن معاناته لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام والإنصاف.

لقد عبّرت شعوب كثيرة حول العالم عن تعاطفها مع الفلسطينيين، وخرج الملايين في الساحات مطالبين بوقف الانتهاكات واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان. لكن هذا الصوت الشعبي، في نظر كثيرين، لم ينعكس بالقدر ذاته في مواقف حكومات اختارت الحسابات السياسية على حساب المبادئ الإنسانية، فبقيت الإدانات محدودة، والإجراءات أقل بكثير من حجم المأساة.

ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تتمسك بحقوقها لا يمكن أن تُمحى من الوجود، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تفقد قيمتها. لقد أثبت الفلسطيني، رغم سنوات طويلة من المعاناة، أنه قادر على الصمود، وأن التمسك بالأرض والهوية ليس شعارًا عابرًا، بل حقيقة تتجدد مع كل جيل.

إن استمرار السياسات التي توسع دائرة الاحتقان، وتغلق أبواب الأمل، وتعمق الإحساس بالظلم، لن يصنع أمنًا دائمًا لأحد. فالسلام لا يُبنى بالقوة وحدها، ولا بالهدم والمصادرة، ولا بحرمان الناس من حقوقهم الأساسية، بل بالعدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل صاحب ضمير: إلى متى يبقى القانون الدولي انتقائيًا؟ وإلى متى تظل دماء المدنيين أقل قيمة عندما يكونون فلسطينيين؟ إن العالم الذي يريد سلامًا حقيقيًا لا يستطيع أن يغض الطرف عن الظلم، لأن تجاهل المأساة لا يلغيها، بل يطيل أمدها ويزيد من عمقها.

إن الشعب الفلسطيني، الذي حمل أعباء عقود طويلة من الاحتلال والمعاناة، يواصل التمسك بحقوقه المشروعة وبكرامته الإنسانية. ورسالة هذا الشعب إلى العالم ليست دعوة إلى الكراهية، بل مطالبة بالعدل، وبأن تكون حقوق الإنسان واحدة لا تتجزأ، وأن تُقاس حياة البشر بميزان واحد، لا بميزانين