هآرتس
يشير الرئيس الأميركي إلى أنه يفضّل ممارسة الضغط الاقتصادي والتوصل إلى ترتيبات واتفاقات على استئناف الحرب مع إيران، وفي الوقت نفسه يفرض على إسرائيل قدراً من ضبط النفس في غزة ولبنان أيضاً. ويبدو أن نتنياهو يجد صعوبة في التأقلم مع الواقع الجديد، فيما يزداد الوضع في الضفة الغربية انفلاتاً يوماً بعد يوم.
بين السطور، يبرز احتمال أن يكون رئيس الولايات المتحدة يحاول التلميح لنا بأن الحرب قد انتهت. ففي تصريحاته خلال الأيام الأخيرة، يكثر دونالد ترامب من الحديث عن زيادة الضغط الاقتصادي على إيران واستمرار الحصار المفروض جنوب مضيق هرمز. وفي الوقت الراهن، يبدو أن التهديدات المتكررة بتصفية قادة النظام في طهران، وسحق الحضارة الفارسية وإعادتها آلاف السنين إلى الوراء، قد تراجعت بعض الشيء.
لقد تعلمنا بالطريقة الصعبة أن ترامب يميل إلى تغيير رأيه كثيراً. لكن اتجاهاً واحداً بقي واضحاً إلى حد كبير منذ عدة أشهر: الرئيس ليس متحمساً لاستئناف الحرب الشاملة مع إيران، وإذا اقتضت الحاجة فسيحاول العثور على ذريعة تبرر عدم القيام بذلك. وفي المرات التي يفكر فيها رغم ذلك بالعودة إلى العمل العسكري، يحدث ذلك أساساً لأن الإيرانيين، من وجهة نظره، لا يتركون له خياراً. فهو يرى أن استفزازاتهم وانتهاكاتهم المتكررة لمذكرة التفاهم التي وُقعت في يونيو تدفعه إلى الزاوية وتضطره إلى العودة لإثبات القوة الأميركية.
وفي الوقت الذي تدور فيه في الخليج مواجهة غير مستقرة، ليست اتفاقاً وليست حرباً، يفرض ترامب قدراً من ضبط النفس في استخدام القوة على إسرائيل أيضاً في جبهات أخرى. ففي لبنان، يتم الحفاظ عموماً على وقف إطلاق النار الذي أُعلن في منتصف يوليو، فيما تتواصل محادثات سياسية مباشرة بين دبلوماسيين وضباط من البلدين برعاية أميركية. وتتناول المفاوضات صيغة تشمل انسحاباً إسرائيلياً من جنوب لبنان مقابل خطوات تدريجية لنزع سلاح حزب الله.
أما في قطاع غزة، فالمطالب الأميركية في الوقت الراهن أكثر تحديداً وصرامة. فالإدارة الأميركية تدفع قدماً بخطة النقاط الـ15 التي طرحها «مجلس السلام» الدولي، وتمنع إسرائيل من مواصلة الهجمات ضد المسلحين الذين شاركوا في هجوم 7 أكتوبر، وتضغط عليها للاستعداد لانسحاب مستقبلي والبدء بإعادة تأهيل البنى التحتية المدنية في المناطق التي ستخليها داخل القطاع.
وبعد أكثر من أسبوع من المماطلة، أعلن نتنياهو رسمياً أن الخطة غير مقبولة بالنسبة إليه، وطرح عدداً من التحفظات عليها. لكن الأميركيين يواصلون عملياً دفع الترتيبات قدماً، فيما يُطلع البيت الأبيض الصحافيين على أنه يدرك الضائقة السياسية الداخلية التي يواجهها بنيامين نتنياهو، لكنه مقتنع بأن رئيس الحكومة سيذعن في نهاية المطاف.
وفي هذه الأثناء، جرت محاولات لتليين المواقف من جانب أشخاص في فريق رئيس «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، تجاه مسؤولين كبار في حركة «هَبِتحونيستيم» (الأمنيون)، وهي منتدى يميني تتطابق مواقفه في كثير من الأحيان مع مواقف نتنياهو. والهدوء النسبي في أوساط كثيرين في اليمين، رغم أن الحكومة تخلت عملياً عن رؤية «النصر المطلق» على حماس، يدل على أن الأمور أكثر تعقيداً مما يصورها رئيس الحكومة.
لكن هذا لا يعني أن الليكود يتخلى عن جهوده للتأثير في الرأي العام. فقد نُشر أمس، بعد رفع تعتيم رقابي طويل، تقرير غامض إلى حد ما في عدة وسائل إعلام، مفاده أن دولة عربية أوصت دولة أخرى بالتوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، ثم تعزيز قوتها العسكرية والاستعداد لمهاجمتها. والخلاصة التي توحي بها هذه المعلومات الجزئية هي: لا يجوز الوثوق بالعرب.
وقبل ذلك بعدة أيام، انتشر خبر كاذب عن تصريحات نُسبت إلى قائد الحرس الثوري الإيراني، قيل إنه تحدث فيها مؤيداً للاستثمار في المشروع النووي. وقد عرض نتنياهو والقناة 14 الموالية للنظام وعدد من وسائل الإعلام المؤيدة له في الخارج هذه التصريحات باعتبارها حقيقة، إلى أن فنّدها خبراء. ويمكن في هذه القصة تلمّس أصداء لقضيتي صحيفة «بيلد» الألمانية والتسريبات القطرية، اللتين تورط فيهما عدد من مستشاري نتنياهو قبل نحو عامين. وقد يستمر الاستخدام «الإبداعي» للمعلومات الاستخباراتية والحقائق طوال الحملة الانتخابية.
فقدان السيطرة في الضفة الغربية
الاعتداء العنيف الذي تعرض له أمس (الاثنين) طاقم صحيفة «هآرتس»، المراسلة متان غولان والمصور إيتاي رون، على أيدي مستوطنين في الضفة الغربية، يعكس صورة أوسع وأكثر إثارة للقلق. فالأشهر الأخيرة تشهد فقداناً كاملاً للسيطرة من جانب قوات الأمن في الضفة، في وقت يسيطر فيه المستوطنون، بتشجيع قوي من وزراء في الحكومة وأعضاء كنيست من الائتلاف، على مزيد من المناطق المصنفة «ب»، ويقيمون عشرات المزارع والبؤر الاستيطانية، ويدفعون بصورة منهجية التجمعات الفلسطينية بعيداً عن أراضيها.
وكثيراً ما يراقب الجيش والشرطة ما يجري من الجانب بلا مبالاة، فيما يوفران مظلة أمنية لأصحاب المزارع الاستيطانية. وفي حالات عديدة، يتعاون الجنود وأفراد الشرطة أيضاً مع هذه التحركات عن قصد واضح. ويقر مسؤولون كبار في المؤسسة الأمنية بأنه «لا قانون ولا رادع» في الأراضي، ويقولون إن السياسيين يطلقون، على خلفية الحملة الانتخابية، تصريحات أكثر تطرفاً أملاً في كسب دعم المستوطنين، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات التمهيدية في الليكود.
وفي حادثة أمس في قرية قصرة، وكما وثّقها غولان ورون، ظهر انخراط كامل لقوة عسكرية صغيرة تضم جنود احتياط من قيادة الجبهة الداخلية. فقد ساعد الجنود مستوطنين عنيفين أقاموا بؤرة استيطانية على أرض فلسطينية، وحاولوا طرد أصحاب الأرض من منزلهم، كما منعوا بالقوة طاقم «هآرتس» من المرور.
إن ملامح الضفة الغربية تتغير بالكامل، وعشرات المستوطنات والبؤر التي أُقيمت بمبادرة من الوزير بتسلئيل سموتريتش تزيد مساحة الأراضي الواقعة في أيدي المستوطنين. كما أنها تخلق مساحات احتكاك هائلة بينهم وبين الفلسطينيين، بما يستلزم تخصيص قوات عسكرية كبيرة لحمايتهم.
إنها، بحسب المقال، أعمال عنف ممنهجة ينفذها جهاز يضم ذراعاً سياسية، تتمثل في الوزراء ورؤساء المجالس الاستيطانية، وذراعاً ميدانية مسلحة تتمثل في البلطجية على الأرض. والهدف النهائي هو طرد الفلسطينيين والاستيلاء على مزيد من الأراضي. وقد تكون قصرة حالة متطرفة، لكنها ليست نادرة على نحو خاص.
فالجنود وأفراد الشرطة لا يتصرفون في الميدان باعتبارهم ممثلين لسلطة القانون الإسرائيلي، وفي معظم الأحيان لا يشغلون أنفسهم بإنفاذه. ومن وجهة نظرهم، تتمثل مهمتهم الأساسية في حماية المستوطنين، بل وحتى مساعدتهم. أما الضباط القلائل الذين يفكرون بصورة مختلفة، فيردعهم النفوذ السياسي لقيادة المستوطنين، ويرون كيف تحرص القيادة العسكرية العليا قدر الإمكان على عدم الدخول في مواجهة معها.
وهذا الواقع السياسي يتجسد يومياً في عشرات الحوادث الصغيرة. وبما أن الفلسطينيين هم من يدفعون الثمن في معظمها، فإن هذه الوقائع نادراً ما تصل إلى معرفة غالبية مستهلكي الإعلام الإسرائيلي.
وعندما تتفرغ القنوات التلفزيونية الإسرائيلية لتغطية مثل هذه الحوادث، فإنها تركز أساساً على الضرر الذي قد تلحقه بمكانة إسرائيل الدولية وعلى التقارير السلبية في وسائل الإعلام الأجنبية. لكن المشكلة أبعد بكثير من أن تكون مجرد مشكلة صورة إعلامية.
فالضفة الغربية والقدس الشرقية ستصبحان جبهتين قابلتين للانفجار كلما اقترب موعد الانتخابات. ويبدو أن نتنياهو لا يزال يتصرف انطلاقاً من اعتقاد مفاده أن تصعيد الاحتكاك الأمني عشية الانتخابات سيخدمه، وسيحوّل النقاش العام بعيداً عن مسألة مسؤوليته عن الإخفاقات التي أتاحت وقوع هجوم 7 أكتوبر