ليست قوة الحركات السياسية في قدرتها على التمسك بخياراتها مهما كانت النتائج، وإنما في قدرتها على مراجعة تلك الخيارات عندما تثبت الوقائع أنها أوقعت شعبها في أثمان باهظة. فالمراجعة ليست هزيمة، بل إحدى علامات النضج السياسي والمسؤولية الوطنية.
بعد ما شهدته غزة من دمار واسع، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وانهيار في البنية التحتية، وأزمة إنسانية غير مسبوقة، كان الفلسطينيون ينتظرون لحظة تأمل ومحاسبة ذاتية. كانوا ينتظرون خطابًا يجيب عن الأسئلة الصعبة: ماذا تعلمنا؟ وما الذي يجب أن يتغير حتى لا تتكرر المأساة؟
إن أي قرار يعكس استمرار النهج نفسه، من دون الإشارة إلى مراجعة حقيقية للأداء أو الاستراتيجية، يثير لدى كثيرين شعورًا بأن التجربة بكل ما حملته من كلفة إنسانية لم تُفضِ إلى استخلاص الدروس المطلوبة. فالتغيير الحقيقي لا يكون بتبديل الأسماء وحده، وإنما بتجديد الرؤية، وإعادة ترتيب الأولويات، والانطلاق من مصلحة المواطن الفلسطيني قبل أي اعتبار آخر.
إن المقاومة، بوصفها مفهومًا وحقًا معترفًا به في القانون الدولي في سياقات معينة، لا تُقاس فقط بقدرتها على الصمود، بل أيضًا بقدرتها على تحقيق أهداف سياسية تخدم الشعب وتحافظ على مقومات حياته. وكل استراتيجية لا تخضع للتقييم المستمر، ولا توازن بين الأهداف والكلفة، تصبح بحاجة إلى مراجعة جادة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن القيادة الحكيمة ليست تلك التي ترفض الاعتراف بالأخطاء، بل التي تمتلك الشجاعة لتقييم قراراتها وتعديل مسارها عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك. فالاعتراف بأن بعض الخيارات لم تحقق النتائج المرجوة لا ينتقص من أحد، بل يعزز الثقة ويؤسس لمرحلة أكثر نضجًا.
اليوم، يحتاج الفلسطينيون إلى خطاب يوحّد ولا يفرّق، ويبني ولا يستنزف، ويضع الإنسان الفلسطيني في قلب المشروع الوطني. فحماية حياة الناس، وصون كرامتهم، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، واستعادة وحدة الصف، يجب أن تكون أولويات لا تقل أهمية عن أي هدف سياسي آخر.
إن القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأسمى من أي تنظيم، وأبقى من أي قيادة. وهي تحتاج إلى مشروع وطني قادر على التكيف مع المتغيرات، والاستفادة من الدروس، والانفتاح على الحوار، وإعلاء المصلحة العامة فوق الاعتبارات التنظيمية.
إن التاريخ لا يخلّد من يرفض المراجعة، بل يخلّد من امتلك الشجاعة لتصحيح المسار عندما اقتضت الظروف ذلك. وبعد كل ما مرت به غزة، فإن المسؤولية الوطنية تقتضي أن يكون السؤال الأساسي ليس: كيف نستمر بالنهج نفسه؟ بل: كيف نبني مستقبلًا يحفظ حقوق الفلسطينيين ويخفف معاناتهم ويمنح أبناءهم أفقًا للحياة والأمل