جاري التحميل...

بـ 330 مليار دولار.. حرب إيران تدفع العالم نحو الطاقة المتجددة

السياسي -متابعات

بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تعد تداعيات الصراع محصورة في العمليات العسكرية أو أمن الملاحة في الخليج، بل امتدت إلى أسواق الطاقة العالمية، لتعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والاستثمار وموازين القوى بين الدول المنتجة والمستوردة للنفط والغاز.

وأدى تعطل جزء من إنتاج الوقود الأحفوري في الشرق الأوسط، إلى جانب اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى ارتفاع تكاليف الطاقة ودفع الحكومات والشركات والمستهلكين نحو البحث عن بدائل أكثر استقراراً، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية والبطاريات.

وبحسب بيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA)، تجاوزت التكاليف الإضافية التي تحملتها الدول المستوردة للوقود الأحفوري حول العالم 330 مليار دولار منذ بدء الحرب في 28 فبراير، نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين.

 

في المقابل، استفادت بعض الدول المنتجة للنفط والغاز خارج منطقة الصراع من ارتفاع الأسعار، بينما أثبتت الاقتصادات التي استثمرت مبكراً في الطاقة المتجددة قدرتها على التعامل مع الصدمة بصورة أفضل.

الصين تتصدر قائمة المستفيدين
برزت الصين باعتبارها أحد أكبر المستفيدين من إعادة ترتيب سوق الطاقة، بفضل سيطرتها الواسعة على تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية.

ووفق بيانات “بلومبيرغ إن إي إف”، سجلت الصين خمسة أشهر متتالية من صادرات التكنولوجيا النظيفة القياسية بالقيمة الدولارية منذ بداية الحرب.

وفي يوليو، تجاوزت صادرات شركات صناعة السيارات الصينية من المركبات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن 500 ألف سيارة إلى الأسواق الخارجية، بزيادة تقارب 150% على أساس سنوي.

كما ساعد التوسع الكبير في مشروعات الطاقة المتجددة داخل الصين خلال السنوات الماضية على تقليل اعتمادها على الواردات. وتشير تقديرات CREA إلى أن مشروعات الطاقة المتجددة التي أضيفت منذ عام 2020 ساعدت الصين على تجنب استيراد وقود أحفوري بقيمة تقارب 8 مليارات دولار بين مارس ويوليو 2026.

وتشير هذه التطورات إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد يتحول من مجرد أزمة اقتصادية إلى محفز لتسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.

لم تقتصر مكاسب الأزمة على الصين، إذ استفاد منتجو النفط والغاز في أمريكا الشمالية والجنوبية من اتجاه المشترين إلى تنويع مصادر الإمدادات بعيداً عن منطقة الخليج.

وزادت شركات الطاقة في الولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية إنتاجها لتعويض اضطرابات الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، مستفيدة من ارتفاع الأسعار وتزايد الطلب على مصادر بديلة.

وقد يستمر جزء من هذه التحولات حتى بعد انتهاء الحرب، خصوصاً مع تزايد الطلب على الكهرباء ومشروعات البنية التحتية المرتبطة بالطاقة النظيفة.

كما يتوقع محللون استفادة دول غنية بالمعادن الأساسية، مثل تشيلي وبيرو، من ارتفاع الطلب العالمي على النحاس والليثيوم، وهما عنصران أساسيان في شبكات الكهرباء والبطاريات والسيارات الكهربائية.

الاقتصادات النامية تبحث عن بدائل
كانت الاقتصادات النامية من أكثر المتضررين من ارتفاع أسعار الطاقة، إذ وجد مركز CREA أن الدول الأفقر أنفقت ما يعادل نحو 1% إضافية من ناتجها المحلي الإجمالي لامتصاص صدمة الأسعار، وهو أكثر من ضعف العبء الذي تحملته الدول الأكثر ثراءً.

لكن ارتفاع أسعار الوقود دفع هذه الدول في الوقت نفسه إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة.

وفي أفريقيا، ارتفعت واردات معدات الطاقة الشمسية القادمة من الصين بنسبة 37% خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات “بلومبيرغ إن إي إف”.

وامتدت هذه الطفرة إلى أسواق عدة، بينها جنوب أفريقيا ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومصر.

 

وفي الفلبين، أدى نقص الوقود في بداية الأزمة إلى اتخاذ إجراءات لتقليص استهلاك الطاقة، بينما قفزت واردات معدات الطاقة الشمسية الصينية بنسبة 262% في مارس على أساس سنوي.

كما تضاعفت تقريباً مبيعات السيارات الكهربائية الشهرية في الفلبين وإندونيسيا خلال يونيو ويوليو مقارنة بالفترة نفسها من 2025، فيما تجاوزت مبيعات سيارات الركاب الكهربائية في الهند 30 ألف وحدة شهرياً خلال الفترة نفسها، مقابل أقل من 20 ألفاً في العام السابق.

أزمة الطاقة تدعم التحول الأخضر
رغم المخاوف من أن يؤدي اضطراب سوق الطاقة إلى عودة قوية لاستخدام الفحم، تشير البيانات الأولية إلى أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن.

ووفق تحليل منظمة “كلايمت تريس”، ارتفعت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنحو 0.2% فقط خلال النصف الأول من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

وفي الوقت ذاته، نما إنتاج الطاقة المتجددة بوتيرة أسرع خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

ويرى محللون أن استمرار هذا الاتجاه سيعتمد على مسار الحرب وأسعار النفط والغاز ومستقبل حركة الملاحة في مضيق هرمز.

 

لكن إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية وارتفعت تكلفة الوقود الأحفوري، فقد تتحوّل الحرب الحالية إلى نقطة تحوّل طويلة الأمد في أسواق الطاقة، تدفع مزيداً من الدول إلى الاستثمار في الشمس والبطاريات والسيارات الكهربائية.

وبذلك، لا تعيد الحرب تشكيل سوق النفط والغاز فقط، بل تسرّع أيضاً انتقال مركز الثقل في قطاع الطاقة العالمي نحو الكهرباء ومصادر الطاقة المتجددة، مع بروز الصين كقوة رئيسية في هذا التحوّل، وازدياد الضغوط على الاقتصادات التي لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الوقود الأحفوري المستورد.