جاري التحميل...

بن غفير يطلب شطب الموحدة… فمن يمهّد له الطريق؟

د. كامل ريان
رئيس مركز أمان
ليس أخطر ما في طلب إيتمار بن غفير شطب القائمة العربية الموحدة ورئيسها الدكتور منصور عباس أنه صادر عن وزير الأمن القومي وأحد أبرز رموز اليمين المتطرف؛ الأخطر أن هذا الطلب يأتي في بيئة سياسية وشعبية يجري فيها منذ فترة طويلة إعداد الأرضية لفكرة الإقصاء، بحيث لا يعود الشطب مجرد قرار تتخذه لجنة الانتخابات، بل يصبح مطلبًا يجد له صدىً في جزء من الرأي العام، بما فيه بعض الأصوات العربية.

هذه المرة علينا ألا نتعامل مع طلب الشطب باعتباره نسخة مكررة من الطلبات السابقة. فالمشهد الإسرائيلي تغير، والطلب نفسه يأتي في توقيت انتخابي حساس جداً والضبابية هي سيدة الموقف.

في الماضي كان من الممكن أن يقول البعض: دعوهم يطلبون الشطب، فالمحكمة العليا ستعيد الأمور إلى نصابها. أما اليوم فلا يجوز بناء استراتيجية سياسية كاملة على افتراض أن كل شيء سيبقى كما كان. ولذلك فإن الخطر لا يكمن فقط في النتيجة القانونية للطلب، وإنما في تطبيع فكرة الشطب نفسها وتحويلها إلى أداة مشروعة في الصراع السياسي.

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إزعاجًا: ماذا يحدث عندما يطلب بن غفير الشطب من فوق، بينما تعمل جهات عربية من تحت، ليل نهار، على نزع الشرعية السياسية عن الموحدة والحركة الإسلامية ومنصور عباس؟

ليس المقصود هنا مصادرة حق أي إنسان في الاختلاف أو النقد. فمن حق أي طرف أن يختلف مع الموحدة، وأن ينتقد مواقف منصور عباس، وأن يرفض نهج الحركة الإسلامية، بل وأن يدعو الناخبين إلى عدم التصويت لهم. هذه هي الديمقراطية.

لكن الديمقراطية شيء، والتحريض والتشويه والفبركة والافتراءات شيء آخر.
حين يتحول الخلاف السياسي إلى حملة مستمرة لتصوير القائمة وكأنها خطر على المجتمع العربي، وحين تُجمع الادعاءات غير الموثقة وتُكرر حتى تصبح في وعي الجمهور “حقائق”، وحين يتحول منصور عباس من خصم سياسي يمكن الاختلاف معه إلى شخصية يجب إسقاط شرعيتها بأي وسيلة، فإننا لم نعد أمام منافسة انتخابية طبيعية ،نحن أمام عملية شطب شعبية تسبق الشطب الرسمي.

وهنا تكمن المفارقة القاسية: بن غفير يقول صراحةً إنه يريد شطب الموحدة من الانتخابات. أما بعض الجهات العربية فلا تطلب الشطب أمام لجنة الانتخابات، لكنها تعمل على شيء قريب منه في الوعي العام: إقناع الناخب بأن هذه القائمة لا تستحق صوته، وأن قيادتها لا تستحق الثقة، وأن تجربتها يجب أن تُعامل كأنها خارج الشرعية السياسية ،قد تختلف الأدوات، لكن النتيجة يمكن أن تتقاطع.
بن غفير يريد أن يغلق أمام الموحدة باب صندوق الاقتراع من خلال المؤسسة الرسمية. وبعض الجهات العربية تريد أن تغلقه أمامها من خلال الجمهور ،وهذا تحديدًا هو الخطر الذي ينبغي أن نتوقف عنده.

فالسياسة ليست فقط ما يفعله الخصم، وإنما أيضًا ما نسمح له أن يعمل ويقال من خلالنا.
قد يختلف المرء مع منصور عباس، وقد يرى أن خياراته السياسية كانت صحيحة أو خاطئة، وقد يؤيد دخوله في ائتلاف أو يرفضه، وقد يختلف مع الحركة الإسلامية في رؤيتها ومشروعها. كل ذلك مشروع. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: هل نريد هزيمة التجربة سياسيًا أم إلغاء حقها في الوجود السياسي؟
هناك فارق هائل بين الاثنين !!!!

من يريد هزيمة الموحدة فليقدم مشروعًا أفضل منها. من يريد إسقاط منصور عباس فليطرح قيادة أكثر إقناعًا منه. ومن يريد تغيير توجهات الحركة الإسلامية فليخاطب الجمهور بالحجة والبديل. أما أن تتحول السياسة إلى ماكينة تشويه يومية، فهذا لا يقوي البديل، وإنما يضعف المجال السياسي العربي كله.

والأخطر من ذلك أن ما يُقال اليوم في الفضاء العربي قد يجد طريقه غدًا إلى الملفات التي تُستخدم لتبرير الشطب.

فكل إشاعة تتحول إلى “معلومة”، وكل مقطع مجتزأ إلى “دليل”، وكل اتهام متكرر إلى “قرينة”، يمكن أن يجد طريقه إلى ملف رسمي يريد أصحابه إثبات أن هذه القائمة أو ذلك المرشح لا يستحقان خوض الانتخابات.

وهكذا تصبح بعض الحملات العربية، عن قصد أو عن غير قصد، مادة خامًا لمن يريد إقصاء التمثيل العربي.
ولذلك فإن المطلوب ليس من الجميع أن يؤيدوا الموحدة، فهذا غير واقعي ولا مطلوب. المطلوب فقط أن نضع خطًا واضحًا بين المنافسة والشطب، بين النقد والتشويه، وبين إسقاط حزب في الانتخابات وإسقاط حق جمهوره في انتخابه.

فالانتخابات ليست امتحانًا للمرشحين فقط؛ إنها امتحان للديمقراطية نفسها.

إذا كانت الموحدة سيئة، فليقل الجمهور كلمته في صندوق الاقتراع. وإذا كان منصور عباس قد أخطأ، فليحاسبه الناخبون سياسيًا. وإذا كانت الحركة الإسلامية قد أخطأت، فليقدم خصومها البديل.

أما أن يأتي بن غفير ليقول: سأشطبهم، ثم يجد في الخطاب العربي من يردد الرواية نفسها بصيغ مختلفة، فهنا يجب أن نتوقف جميعًا.

بن غفير يطلب الشطب السياسي من موقع السلطة. أما الشطب الشعبي فلا يحتاج إلى وزير؛ يكفيه أن يتحول التشويه إلى عادة، والافتراء إلى خطاب، والخصومة إلى نزع شرعية.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن نواجهه قبل أن نواجه طلب الشطب نفسه ،لأن القضية في النهاية ليست الموحدة وحدها.
القضية هي: هل يبقى للناخب العربي حق الاختيار، حتى عندما لا يعجب اختياره خصومه؟
ولعل المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا هي أن بن غفير، الذي يرفع راية الشطب من موقعه الرسمي، قد يجد في بعض الخطابات العربية أكثر مما يحتاجه من مواد لتسويق مشروعه. لذلك فإن المسؤولية الأخلاقية والسياسية تقع على الجميع: على من يطلب الشطب أن يتحمل مسؤولية طلبه، وعلى من يحرض ويشوّه أن يدرك أن الكلمات قد تتحول إلى أدوات في يد من يريد إقصاء الجميع.

بن غفير قد يطرق باب لجنة الانتخابات، لكن لا يجوز أن نسمح بأن يُفتح له الباب من داخل مجتمعنا المنكوب ومن خلال خطابات التكفير والتنفير والتخوين التي لا تخدم احداً سوى بن جفير وسموطريتش وسوكوت وكما يبدو سينضم إلى جوقتهم بعض الملحنين الجدد الذين نسمع خطاباتهم وتهديداتهم والتي لا تقل سوءاً عن خطابات من سبقوهم.