جاري التحميل...

بين اتفاق مكة واتفاقيات أبراهام

ميساء أبو غنام
أعتقد أن ما قام به محمد بن سلمان في الإعلان عن الاتفاق الدفاعي الثلاثي مع تركيا وباكستان، والذي جرى توقيعه في مكة، لم يكن بالضرورة الخيار الأكثر حكمة من الناحية السياسية. فمثل هذا التحالف، بما يمثله من ثقل سعودي وتركي وباكستاني، كان يمكن في هذه المرحلة أن يُبنى بهدوء وبقدر أكبر من السرية، قبل الإعلان عنه بصورة تمنحه بعدًا جيوسياسيًا واضحًا وتضعه في مواجهة مباشرة مع حسابات إسرائيل والقوى الإقليمية والدولية.
فالتحالف بين السعودية وتركيا وباكستان يمتلك مقومات قوة حقيقية: السعودية بثقلها الاقتصادي والديني، وتركيا بقدراتها العسكرية وموقعها الجغرافي، وباكستان بقدراتها العسكرية والنووية. والاتفاق الذي أُعلن في مكة في اب 2026 يتضمن تعاونًا دفاعيًا وأمنيًا واسعًا، وقد بدأت الدول الثلاث بالفعل خطوات عملية لتنفيذه وإنشاء أمانة له في السعودية.
لكن السؤال الأهم بالنسبة لمحمد بن سلمان ليس فقط: مع من تتحالف السعودية؟ بل: كيف تحوّل السعودية قوتها إلى نفوذ سياسي وديني يتجاوز حدود التحالفات التقليدية؟
وهنا أرى أن أمام السعودية مسارًا أكثر ذكاءً: عدم وضع التطبيع مع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القضية الفلسطينية، بل تحويل أي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل إلى أداة للحصول على نفوذ سعودي أكبر في القدس والضفة الغربية وغزة.
صحيح أن الموقف السعودي الرسمي الحالي واضح في اشتراط قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية قبل إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. لذلك فإن تجاوز هذا الشرط في الوقت الراهن سيكون تحولًا كبيرًا في السياسة السعودية، ولا ينبغي تقديمه وكأنه قرار متوقع أو محسوم.
لكن يمكن تخيل صيغة سياسية مختلفة مستقبلًا: أن تربط السعودية أي انخراط كامل في اتفاقيات أبراهام بحصولها على دور إقليمي قوي ومؤثر في القدس والضفة الغربية وغزة، إلى جانب ضمانات سياسية وحقوقية للفلسطينيين ومسار واضح نحو الحل النهائي.
وهذا الدور، إذا صيغ بطريقة ذكية، قد لا يكون بالضرورة مرفوضًا إسرائيليًا، كما أنه يمكن أن يحظى بقبول فلسطيني إذا كان هدفه حماية المقدسات، ودعم الاقتصاد الفلسطيني، وتعزيز الوجود العربي في القدس، والمساهمة في إعادة إعمار غزة، ودعم المؤسسات الفلسطينية.
وهنا يمكن أن تتحول المعادلة من مجرد «تطبيع سعودي–إسرائيلي» إلى صفقة إقليمية أكبر، تحصل فيها السعودية على مساحة نفوذ واسعة في الملف الفلسطيني، بدل أن يكون التطبيع مجرد علاقة ثنائية مع إسرائيل.
والأهم أن محمد بن سلمان يستطيع، من خلال هذا الدور، أن يبني مثلثًا من النفوذ يصعب على أي دولة إسلامية أخرى امتلاكه: مكة والمدينة من جهة، والقدس من جهة أخرى.
فالسعودية تمتلك بالفعل المكانة المرتبطة بمكة والمدينة، باعتبارهما أقدس مدينتين في الإسلام، وإذا أضيف إلى ذلك دور سعودي مؤثر في القدس والمسجد الأقصى، وفي دعم الفلسطينيين في الضفة وغزة، فإن السعودية ستكون قادرة على الجمع بين الثقل الديني والاقتصادي والسياسي في مساحة تمتد من قلب العالم الإسلامي إلى القضية الأكثر حساسية في الشرق الأوسط.
واعتقد ان هذا النفوذ داعم ومؤثر يحافظ على الحقوق الفلسطينية ويمنح السعودية في الوقت نفسه موقعًا استثنائيًا في النظام الإقليمي الجديد.
وقد بدأت السعودية أصلًا في بناء بعض أدوات هذا الحضور؛ فقد عينت في 2023 سفيرها لدى الأردن سفيرًا غير مقيم لدى دولة فلسطين وقنصلًا عامًا في القدس، وهو مؤشر على أن للقدس مكانًا متزايدًا في أدوات الحضور الدبلوماسي السعودي.
ومن هنا، ربما لا تكون المعادلة المستقبلية: مكة في مواجهة القدس، أو اتفاق مكة في مواجهة اتفاقيات أبراهام.
بل ربما تكون المعادلة الأذكى هي: مكة والمدينة والقدس معًا.
فإذا استطاعت السعودية أن تجمع بين مكانتها الدينية في مكة والمدينة، وحضور سياسي وديني واقتصادي مؤثر في القدس، ودور أساسي في دعم الفلسطينيين وإعادة إعمار غزة، فإن محمد بن سلمان سيكون قد بنى نموذجًا من النفوذ يتجاوز النفوذ التقليدي للدول.
وهذا قد يجعل السعودية ليس فقط قوة إقليمية كبرى، وإنما إحدى أهم القوى المؤثرة في العالم الإسلامي، وربما في النظام السياسي والديني للشرق الأوسط لعقود قادمة.
وبما ان بابا الفاتيكان يمثل مركزًا دينيًا عالميًا للكاثوليك، فمن الممكن للسعودية أن تجمع بين المكانة الدينية الإسلامية والمسيحية لكون فلسطين مهد المسيح بالاضافة الى الثقل الاقتصادي، والقوة السياسية، والنفوذ الجيوسياسي. وهذه تركيبة مختلفة وليست مجرد نسخة إسلامية من الفاتيكان