بين الشكّ واليقين: أنطولوجيا الوعي في أفق الحقيقة:

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

في صميم التجربة الإنسانية، حيث يتقاطع الوجود بالمعنى، ينبثق سؤال الحقيقة لا بوصفه ترفًا فكريًا، بل كجرحٍ أنطولوجيٍّ مفتوح، يُذكِّر الكائن البشري بهشاشته المعرفية وبحاجته الدائمة إلى تأسيس ذاته على يقينٍ لا يخونه. غير أنّ هذا اليقين لا يُمنح هبةً، بل يُنتزع انتزاعاً من بين أنقاض الشك، في رحلةٍ هي أشبه بمخاضٍ طويل يعبر فيه الوعي ذاته نحو ذاته.
فالإنسان، منذ أن أفاق على دهشة الوجود، لم يكن ساكناً في طمأنينة المعرفة، بل كان كائناً قلقاً، يتأرجح بين نزعتين متضادتين: نزعة الشك التي تهدم، ونزعة اليقين التي تبني. وبين الهدم والبناء، تتشكّل ملامح الفكر، ويتكوّن الوعي بوصفه فعلاً جدليًا لا يستقرّ إلا في الحركة.
ولعلّ الفلسفة، في أعمق تجلياتها، ليست سوى هذا السعي المضني نحو وضوحٍ يتمنّع، وهذه الإرادة العنيدة في انتزاع المعنى من صمت العالم. فمنذ سقراط الذي جعل من التساؤل أسلوب حياة، إلى رينيه ديكارت الذي أقام صرح اليقين على أنقاض الشك، ظلّ الفكر الإنساني يتقدّم لا عبر الامتلاك، بل عبر المراجعة المستمرة لما يظنّه امتلاكاً.
لقد لمَح أوغسطين مبكراً إلى هذه المفارقة حين رأى في الشك ذاته دليلاً على الحضور، فـ”الخطأ” لا يكون إلا لكائن موجود. غير أنّ رينيه ديكارت سيذهب أبعد، حين حوّل الشك من حالة نفسية إلى منهج، ومن ارتيابٍ سلبي إلى أداة تطهير معرفي، لينتهي إلى يقينٍ لا يتأسس على العالم، بل على الوعي بذاته: أنا أفكر، إذن أنا موجود. هنا، لا يعود اليقين معطى، بل يصبح إنجازاً وجودياً.
غير أنّ هذا الإنجاز لا يكتمل إلا حين ندرك، مع مارتن هايدغر، أنّ الوعي ليس مجرد تفكيرٍ في الأشياء، بل هو انكشافٌ على الوجود ذاته. فالإنسان ليس كائناً يعرف فقط، بل كائنٌ يُلقى في العالم، ويُجبَر على مساءلة حضوره فيه. ومن هنا، يتحوّل الشك من سؤالٍ معرفي إلى قلقٍ وجودي، يضع الإنسان أمام ذاته بوصفه مشروعًا غير مكتمل.
وفي امتداد هذا الأفق، يذهب جان بول سارتر إلى أنّ الوعي لا يكتفي بأن يكون، بل هو وعيٌ بكونه كذلك، أي أنّه ينفتح على ذاته بوصفه حريةً ومسؤولية. وهنا، يغدو اليقين ليس نهاية للشك، بل شكلاً أكثر نضجاً منه؛ يقينًا يعترف بجذوره الشكية، ولا يتنكر لها.
إنّ الرحلة بين الشك واليقين ليست انتقالاً من ظلمة إلى نور، بل هي عبورٌ دائم بين ظلالٍ وأنوار، حيث لا يُلغى أحدهما الآخر، بل يتكاملان في تشكيل الوعي. فالشك، في جوهره، ليس نقيض الحقيقة، بل شرطها الأول؛ واليقين، في أعمق معانيه، ليس إنكاراً للشك، بل تجاوزه الواعي.
ومن هنا، تتجلّى المأساة المعاصرة: إنسانٌ يهرب من عناء التساؤل إلى راحة الإجابات الجاهزة، ويستبدل قلق المعرفة بسكون الوهم. في زمنٍ تتكاثر فيه “الحقائق” السطحية، يغدو الشك فعل مقاومة، ويصبح التفكير الحرّ ضربًا من الشجاعة النادرة.
فهل نملك اليوم جرأة العودة إلى هذا القلق الخلّاق؟
هل نستطيع أن نحيا في أفق السؤال، لا في قوقعة الجواب؟
إنّ الحقيقة لا تُمنح لمن يطلبها مطمئنًا، بل لمن يغامر بها قلقاً. وهي لا تنكشف دفعةً واحدة، بل تتبدّى على مراحل، كوميضٍ في عتمة الوعي، لا يُرى إلا لمن صبر على ظلمة الطريق.
خاتمة:
ليس الشك عدوّ المعرفة، بل هو رفيقها الأوفى في رحلة الخلاص من الزيف، وليس اليقين خاتمة المطاف، بل عتبةً لشكٍّ أعمق وأصفى. وهكذا يظلّ الوعي الإنساني في حركة دائبة، يعيد تأسيس ذاته عبر السؤال، ويصوغ حقيقته في أفق لا يكتمل.
ففي عالمٍ يضجّ بأجوبةٍ لا تُفكَّر، يبقى السؤال الفلسفي آخر حصون الإنسان؛ وبين الشك واليقين، لا نسكن الحقيقة بل نصيرها.