تباطؤ النمو الأمريكي يربك حسابات الفيدرالي في ظل عناد التضخم

السياسي -متابعات

وضعت البيانات الاقتصادية الأخيرة الصادرة في واشنطن أسواق المال العالمية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) أمام مأزق معقد يعيد إلى الأذهان مخاوف “الركود التضخمي”، بعد أن أظهرت الأرقام تباطؤاً حاداً ومفاجئاً في وتيرة نمو أكبر اقتصاد في العالم، بالتزامن مع استمرار الضغوط التضخمية المستعصية، وعلامات أولية على التباطؤ في سوق العمل.

هذه التوليفة المتناقضة من البيانات وجهت ضربة قوية للدولار الأمريكي وأربكت توقعات المستثمرين، حيث باتت الأسواق تتأرجح بين مخاوف الركود ومخاطر استمرار الفائدة المرتفعة، مما يمهد جولة جديدة من التقلبات العنيفة في بورصات الأسهم والمعادن الثمينة وسوق العملات الدولية.
الصدمة الأكبر للأسواق جاءت من قراءة الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة، والتي سجلت نمواً متواضعاً بنسبة 1.6% فقط على أساس سنوي، متخلفة بشكل واضح عن توقعات المحللين والخبراء الذين كانوا يترقبون نمواً لا يقل عن 2.0%.

ويعكس هذا النمو المتواضع تباطؤاً ملحوظاً في الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الأميركي، فضلاً عن تراجع الاستثمارات التجارية متأثرة بتبعات دورة التشديد النقدي الأقسى منذ عقود، مما يثبت أن أسعار الفائدة المرتفعة بدأت تقضم من أظافر القوة الاقتصادية للبلاد وتدفعها نحو الهبوط التدريجي بشكل أسرع مما كان مخططاً له.

وما زاد من قتامة المشهد وجعل مهمة صانعي السياسة النقدية أكثر تعقيداً، هو صدور مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (PCE)، وهو المقياس المفضّل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، حيث جاء مطابقتًا تمامًا للتوقعات عند مستوى 3.3% على أساس سنوي.

ورغم أن الرقم لم يأتِ بمفاجأة صعودية، إلا أن بقاء التضخم الأساسي أعلى بكثير من مستهدفات الفيدرالي البالغة 2% يعني أن الأسعار لا تزال عنيدة ومستعصية على الهبوط السريع.

هذا التلازم بين نمو متباطئ (1.6%) وتضخم مرتفع (3.3%) يضع الفيدرالي في زاوية ضيقة، إذ إن خفض الفائدة لتحفيز النمو قد يشعل فتيل التضخم مجدداً، بينما الاستمرار في تشديد السياسة النقدية قد يدفع بالاقتصاد إلى ركود حاد غير محسوب العواقب.

وفي زاوية أخرى من زوايا المشهد، جاءت بيانات سوق العمل لتقدم دليلاً إضافياً على بدء تسرب الضعف إلى الاقتصاد الأميركي، حيث ارتفعت طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 215 ألف طلب.

هذا الارتفاع، وإن كان طفيفاً، إلا أنه يعكس بداية تراجع الزخم في سوق العمل الذي طالما تفاخر الفيدرالي بقوته واستشهد به لتبرير الإبقاء على الفائدة المرتفعة لفترة أطول.

وبدأت الشركات الأمريكية، تحت وطأة تكاليف الاقتراض الباهظة وتراجع الطلب، في إبطاء وتيرة التوظيف أو اللجوء إلى تسريح العمالة، مما يزيد من الضغوط الائتمانية والسياسية على البنك المركزي للتحرك لإنقاذ الموقف قبل تفاقم الأزمة.

تفاعلات المؤسسات المالية العالمية مع هذه البيانات جاءت محملة بالتحذيرات؛ حيث أشارت الإدارات البحثية في مصرف “جولدمان ساكس” إلى أن هذه الأرقام تمثل السيناريو الأسوأ للأسواق، كونها تحمل ملامح الركود التضخمي المصغر، مما يعني أن الآمال في “هبوط ناعم” للاقتصاد الأمريكي بدأت تتلاشى لصالح مسار أكثر وعورة.

وفي المقابل، يرى محللو السندات في “مورغان ستانلي” أن ارتفاع طلبات البطالة وتباطؤ النمو الاقتصادي سيمارسان ضغوطاً بيعية على الدولار على المدى القصير، مما يدعم أسعار الذهب كملاذ آمن، لكنهم يحذرون من أن بقاء التضخم عند 3.3% سيمنع أي انهيار حاد للدولار لأن الفيدرالي لن يملك الرفاهية الكاملة لخفض الفائدة بقوة أو سرعة خلال الاجتماعات المقبلة.

وتجمع الأوساط الاقتصادية على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بات الآن أسير البيانات، ولن يتمكن من اتخاذ قرار حاسم بشأن بدء التفكير في خفض الفائدة قريباً إلا إذا رأى تراجعاً صريحاً في قراءات التضخم القادمة.

وتتوقع مجموعة “سي إم إي” عبر أداة مراقبة الفيدرالي أن تتراجع رهانات المستثمرين على خفض الفائدة في الصيف، لتمتد التوقعات إلى الربع الأخير من العام الحالي، حيث سيفضل المركزي الأميركي التضحية بجزء من النمو الاقتصادي في سبيل التأكد من القضاء التام على شبح التضخم. وبناءً على ذلك، تتأهب الأسواق العالمية لموجة من التقلبات الحادة، حيث ستتحرك مؤشرات الأسهم في وول ستريت والأسواق الناشئة بناءً على أي تصريحات تصدر من مسؤولي الفيدرالي، في معركة مفتوحة بين مطرقة الركود وسندان التضخم العنيد.