دكتور حسين رداد/ مدير وحدة الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية
يعتبر اتفاق مكة للدفاع المشترك تحولا استرتيجيا سمته الرئيسية تحولا من الردع المنفرد إلى بناء نظام أمني إقليمي جديد، حيث تفتح اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقعة في 7 أغسطس/آب 2026، مرحلة جديدة في التفكير الأمني الإقليمي، لا باعتبارها مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، وإنما باعتبارها مؤشراً على تحوّل أعمق في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط؛ فالاتفاقية جاءت بعد نحو عام ونصف من الاتصالات والمباحثات الهادئة، وفي بيئة استراتيجية شهدت تراجعاً نسبياً في قدرة إيران على إدارة نفوذها الإقليمي عبر الأذرع، وتصاعدا في استخدام إسرائيل للقوة خارج حدودها، وتراجعاً في ثقة دول المنطقة بفاعلية الاعتماد الحصري على المظلة الأمنية الأمريكية، حيث تكمن أهمية هذه الاتفاقية في أنها تجمع ثلاث قوى ذات مقومات استراتيجية متكاملة؛ فالسعودية بثقلها الاقتصادي والطاقوي ومكانتها العربية والإسلامية، وتركيا بقدراتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية وموقعها الجيوسياسي وعضويتها في الناتو، وباكستان بقدراتها العسكرية والبشرية وخبرتها العملياتية وموقعها الاستراتيجي اضافة الى قدراتها النووية، فالكتلة البشرية للدول الثلاث تقترب من 380 مليون نسمة، فيما تقترب مساحتها الإجمالية من 3.8 مليون كيلومتر مربع، بما يجعلها كتلة ذات وزن ديموغرافي واقتصادي وعسكري يصعب تجاهله، كل هذه المقومات تجعل من دول التحالف قوة اقليمية لا يستهان بها.
يمكن فهم توقيت الاتفاقية في إطار التحول الذي أصاب البيئة الأمنية للمنطقة بعد الحرب مع إيران، فقد تحولت البيئة الاستراتيجية من حالة ملء الفراغ إلى صناعة الردع، فقد كشفت السنوات الأخيرة أن التوازن الإقليمي القائم على الردع المنفرد والمظلات الخارجية لم يعد كافياً لحماية مصالح الدول، ولذلك يبدو أن الدول الثلاث انتقلت من سؤال :من يحمينا؟ إلى سؤال أكثر استراتيجية: كيف نبني قدرتنا على الردع؟ ومن هذه الزاوية، فإن اتفاقية مكة لا تعني بالضرورة قيام ناتو إسلامي، ولا ينبغي اختزالها في كونها تحالفاً موجهاً ضد إيران أو إسرائيل. الأدق أنها تمثل نواة أمنية إقليمية يمكن أن تتطور تدريجياً إلى منظومة أوسع، إذا انتقلت من الالتزام السياسي بالدفاع المشترك إلى بناء آليات تنفيذية: قيادة وتنسيق عسكري، تبادل استخباري، دفاع جوي وصاروخي، تدريبات مشتركة، وأخيراً تعاون في الصناعات الدفاعية، وتكتسب الاتفاقية قوة إضافية من كونها ليست معزولة عن المنظومات الدولية القائمة؛ فتركيا عضو في حلف الناتو، والسعودية وباكستان شريكان مهمان للولايات المتحدة، والدول الثلاث منخرطة في أطر إقليمية ودولية متعددة، لذلك يصعب وصف الاتفاق بأنه مشروع معادد للولايات المتحدة؛ والأقرب أنه يعكس رغبة إقليمية في تنويع مصادر الأمن وعدم الاعتماد على قوة خارجية واحدة.
يحمل اختيار مكة لتوقيع الاتفاقية، رغم انعقاد مراسمها في جدة، دلالة سياسية ورمزية لافتة، فمكة ليست عاصمة سياسية أو مركزاً عسكرياً، وإنما رمز ديني جامع، ولذلك يمكن قراءة التسمية باعتبارها محاولة لتقديم الاتفاق بوصفه مشروع ردع من أجل السلام والاستقرار وليس تحالفاً مذهبياً أو حربياً، وهنا تبرز أهمية التأكيد على أن الاتفاق ليس تحالفاً سنياً بالمعنى المذهبي؛ فالتحدي الذي يواجه المنطقة لم يعد صراعاً مذهبياً بقدر ما أصبح صراعاً على النفوذ والسيادة والأمن الإقليمي، ومن ثم فإن الباب أمام إيران نفسها لا ينبغي أن يكون مغلقاً؛ فإذا انتقلت طهران من سياسة التهديد واستخدام الوكلاء إلى سياسة التفاهم واحترام سيادة الدول، فإنها تستطيع أن تكون جزءاً من نظام أمني إقليمي بدلاً من أن تكون هدفاً له.
في هذا السياق يصبح سؤال: هل نحن أمام سباق أحلاف؟ وجيها؛ فالمؤشر الأخطر الذي يمكن أن تفرزه الاتفاقية هو انتقال المنطقة من التنافس بين الدول إلى التنافس بين شبكات التحالفات، فإلى جانب مثلث مكة، توجد ترتيبات أمنية وعسكرية متنامية تربط تركيا بقطر، وعلاقات استراتيجية بين مصر والإمارات، وشبكات تعاون إسرائيلية مع عدد من دول المنطقة وخارجها، وهذا يفتح الباب أمام احتمالين متناقضين: إما أن تتطور هذه الترتيبات إلى توازنات متبادلة تمنع الانفجار، أو أن تتحول إلى سباق محاور يعيد إنتاج الاستقطاب الإقليمي بصورة أكثر خطورة؛ فالخيار الأول هو الأكثر فائدة للمنطقة، ولذلك فإن أفضل صيغة مستقبلية ليست تحالفات مغلقة، وإنما نظام أمني متعدد الطبقات؛ نواة دفاعية صلبة، وشراكات مرنة تسمح لمصر وقطر والكويت والأردن وسوريا والعراق، بدرجات مختلفة، بالمشاركة في بعض ترتيبات الأمن دون اضطرارها إلى الانضمام إلى محور مغلق ، وفي هذا السياق، تبدو مصر المرشح الأكثر أهمية للانخراط في أي ترتيبات مستقبلية، نظراً إلى ثقلها العسكري وموقعها العربي ودورها في غزة والبحر الأحمر والمتوسط، أما قطر، فترتبط أصلاً بعلاقة دفاعية وثيقة مع تركيا، ما يجعلها مرشحاً طبيعياً لشراكة أمنية أوسع. بينما سيظل انضمام العراق أكثر تعقيداً بسبب علاقاته مع إيران وتداخل الفصائل المسلحة داخل منظومته السياسية والأمنية.
هناك من يرى ان التحول الاهم يكمن في التحول من التحالف العسكري إلى القاعدة الصناعية، وهذا يشكل اكبر قيمة استراتيجية للاتفاقية لن تتحدد بعدد الجنود أو الأسلحة، وإنما بقدرتها على خلق اعتماد دفاعي ذاتي؛ فالسعودية توفر التمويل والسوق والطاقة، وتركيا توفر قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية متقدمة، بينما تمتلك باكستان خبرات عسكرية وصناعية واسعة. وإذا جرى دمج هذه القدرات، فقد تنشأ خلال السنوات المقبلة قاعدة مشتركة لتطوير الطائرات والمسيّرات والصواريخ والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، وهنا يصبح التعاون حول الصناعات الدفاعية، بما فيها برامج الطيران التركية مثل طائرة KAAN ، أكثر أهمية من الاتفاق العسكري نفسه؛ لأنه ينقل الدول الثلاث من شراء الأمن إلى إنتاج جزء من أدواته، وهذا التحول، إذا تحقق، سيكون أحد أهم المؤشرات على أن اتفاقية مكة ليست مجرد استجابة مؤقتة لظرف إقليمي، وإنما بداية لتحول استراتيجي طويل المدى.
تحمل الاتفاقية ثلاث رسائل متزامنة إلى كل من إسرائيل وإيران والولايات المتحدة؛ فالرسالة الموجهة الى إيران: لم يعد ممكناً افتراض أن تهديد دول الخليج أو استخدام الأذرع الإقليمية سيبقى دون ردع جماعي. لكن الباب أمام التفاهم ما زال مفتوحاً؛ فالهدف ليس تطويق إيران وإنما منعها من فرض معادلاتها بالقوة؛ اما الرسالة الموجهة إلى إسرائيل: التفوق العسكري الإسرائيلي لم يعد كافياً وحده لضمان احتكار قواعد اللعبة الإقليمية. وكلما اتسعت الحرب خارج الحدود، ازدادت دوافع الدول المحيطة لبناء أدوات ردع جماعية؛ فيما تعتبر الرسالة الموجة إلى الولايات المتحدة تشير الى ان المنطقة لا تتجه بالضرورة إلى الاستغناء عن واشنطن، وإنما إلى إعادة تعريف العلاقة معها؛ أي الانتقال من الاعتماد إلى الشراكة، ومن مصلحة الولايات المتحدة، في المقابل، ألا تتحول هذه المنظومة إلى قوة معادية لها، بل إلى شريك إقليمي قادر على تحمل جزء أكبر من أعباء الأمن.
تشكل هذه الاتفاقية فرصة لفلسطين، فهي تحمل معاني كثيرة تتجاوز التضامن إلى معادلة الأمن، حيث تكتسب الاتفاقية أهميتها الخاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية. فقد احداث السابع من أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب ابادة للشعب الفلسطيني ومحاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر الة القتل والاستيطان فقد كشفت اسرائيل عن وجهها الحقيقي في الوقت نفسه ظنت اسرائيل انها من خلال فائض القوة واستمرار تفوقها العسكري انها قادرة على استخدام هذا الفائض خارج الحدود يمكن أن يعيد تشكيل المنطقة بأكملها، عبر طرح تشكيل شرق اوسط جديد على مقاس اسرائيل واصبحنا نسمع وبوضوح اصوات تنادي باسرائيل الكبرى.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى 7 أغسطس 2026 بوصفه أحد النتائج الاستراتيجية غير المباشرة لحالة الغرور الاسرائيلية فان كان صمود الشعب الفلسطيني قد شكّل صدمة للنظام الأمني العسكري،حيث يعكس الأول محاولة لبناء ترتيبات ردع جديدة، ولا يعني ذلك وجود علاقة مباشرة بين الحدثين ، خاصة ان الشعب الفلسطيني قد اثبت على مدار سبعة عقود انه اهلا لهذه المهمة الصعبة، وقد تشكلت بيئة الاستراتيجية ادت الى في دفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن والتحالفات.
يمكن ان يكون هذا التحالف الفرصة الأهم، خاصة اذا صدقت النوايا في أن تتحول اتفاقية مكة إلى تحالف عسكري من أجل فلسطين، ويمكن ان تكون هذه الاتفاقية والتحالف اكثر مصداقية للشعب الفلسطيني اذا تم إدخال الأمن الفلسطيني في معادلة الأمن الإقليمي، فإذا أصبحت حماية الاستقرار الإقليمي مرتبطة بمنع التهجير والضم والحرب المفتوحة، فإن قيام الدولة الفلسطينية وحل الدولتين يمكن أن يتحولا من مطلب سياسي فلسطيني إلى مصلحة إقليمية مشتركة.
من الأرجح أن تبدأ اتفاقية مكة خلال المرحلة الأولى كـ نواة ردع وتنسيق ثلاثية، ثم تواجه اختبار القدرة على الانتقال من النص السياسي إلى المؤسسات والقدرات المشتركة. وإذا ظهرت خلال العامين المقبلين قيادة تنسيق، وتعاون استخباري، ودفاع جوي مشترك، ومشروعات صناعات دفاعية، واتصالات رسمية مع مصر وقطر، فإن المنطقة ستكون أمام تحول نوعي يتجاوز الاتفاقية ذاتها، أما إذا بقيت الاتفاقية في إطار البيانات والتنسيق السياسي، فسيظل أثرها رمزياً وسياسياً أكثر منه عسكرياً؛ وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس: هل اتفاقية مكة موجهة ضد إيران أو إسرائيل؟ وإنما: هل تستطيع الدول الثلاث تحويلها إلى نواة لنظام أمني إقليمي مستقل ومتوازن؟ فإذا نجحت تلك الفكرة ، فإن الشرق الأوسط قد ينتقل تدريجياً من مرحلة إدارة الأمن من الخارج إلى مرحلة صناعة الأمن من الداخل. وعندها لن تكون اتفاقية مكة مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل قد تصبح نقطة تحول في إعادة توزيع القوة وصياغة قواعد النظام الإقليمي، وربما إحدى أهم النتائج الجيوسياسية الممتدة للحرب التي بدأت بدأت باستخدام اسرائيل ما حدث في السابع من اكتوبر 2023 وجعلت انتقامها من الشعب الفلسطيني فرصة لاستكمال مشروعها الاستعماري التوسعي في الاقليم تحت عنوان شرق اوسط جديد بمقاسات اسرائيلية.