تصوروا، ولو للحظة، لو سقطت إيران!

الكاتب: عبد المجيد سويلم

نتبين بعمق وبوعي يقيني راسخ أن الولايات المتحدة، في حربها على إيران، كانت تهدف إلى تسيّد الإقليم الغني بالثروات والممرات، والزاخر بالطاقات والإمكانيات على كل الصعد والمستويات.
وكانت ترى، في لحظة من الوهم النابع من غطرسة القوة، ومن انعدام القيم والتجرد الوحشي من الأخلاق والأعراف، أن هذه الحرب كانت ستؤدي إلى تعريض المصالح الصينية لأضرار استراتيجية، أقلها اهتزاز مصادر تزويد الصين بالنفط والغاز، كأكبر مستهلك لهما عالمياً، وقطع سلاسل التوريد والتجارة الدولية لأكبر شريك دولي في العالم كله فيها، وتخريب كل ما خططت له الصين من استراتيجيات طريق الحرير.
كما كانت تهدف إلى، وتطمح أكثر إلى، التربع على مقربة من الحدود الروسية، وربما ابتزازها في نسخة محدثة من النسخة الأوكرانية، أو تهديد حدودها بصورة دائمة، وإبقاء النظام الروسي تحت الضغط المباشر.
أما المشاركة الإسرائيلية في هذه الحرب، فتوصف وتأتي في سياق أبعد وأعمق وأخطر من الأهداف الأميركية التي بُنيت على حسابات موهومة وعلى تطلعات متسرعة؛ لأنها أي المشاركة الإسرائيلية هي الأهم في هذه الحرب، لأنها وفرت الجزء الأكبر من المعلومات والمعطيات، وهي التي ضللت وخدعت وأوهمت وزودت وأعدت؛ لأن هذه الحرب بالذات، كما تصورت، كانت ستكون التدشين الفعلي لتحكم الدولة الصهيونية وسيطرتها وتسيّدها الرسمي والمرسّم على الإقليم، وفرض كامل شروطها وهيمنتها على دول في المشرق وفي المغرب وفي الشمال والجنوب.
وكان على العالم العربي أن يقبل هذه الشروط طائعاً أو صاغراً، وحتى دول ما يسمى المحيط الإسلامي كانت ستقدم الولاء التام أو الانحناء ثم الانزواء.
وكانت هذه الحرب تعني للدولة الصهيونية، تحت قيادة اليمين العنصري الحاكم فيها، تحويل (إسرائيل الكبرى) إلى واقع جيوسياسي قائم ومجسد على الجغرافيا السياسية وعليها تماماً.
كما كانت هذه الحرب تعني نشوء واقع جيواستراتيجي جديد في الشرق الأوسط، تلعب فيه دولة الاحتلال دور الشرطي الأكبر، ودور الأزعر الذي يفرض الخاوات على الحواضر العربية، تماماً كما يفعل بلطجية الحارات وشبيحتها.
والمقصود هنا أيضاً هو تقاسم عمليات النهب للثروات مع الولايات المتحدة، وتحول الرأسمال الصهيوني إلى شريك استراتيجي في كل تجارة الإقليم، وإلى الوكيل الحصري وصاحب حق النقض الأوحد على دخول أسواق الإقليم بما فيها، وعلى رأسها ربما، سوق الأسلحة ومنظومات الحماية والأمن.
ناهيكم عن الحق الاعتراضي والرفض لأي تكنولوجيا تهدد مكانة الدولة الصهيونية، حتى ولو بعد خمسين سنة من الآن.
ولذلك كله، فإن المشاركة الإسرائيلية في هذه الحرب كانت أكبر عملية في تاريخ الدولة العبرية، وأضخم مشاركة غامرت بها، مغامرة عمرها كله؛ لأن أطماعها كانت بمستوى الانتصار التاريخي الذي يفوق ويتفوق، على كل انتصار وأي انتصار حققته الدولة والمشروع الصهيوني حتى الآن وإلى الأبد، كما تصوروه في أيديولوجية وثقافة اليمين العنصري الحاكم في الدولة الصهيونية.
كانت الترامبية، لو سقطت إيران، ستستعيد أرضاً خسرتها في الداخل الأميركي، وعلى المستوى الدولي الخارجي وأوروبا، وبما يكرسها كنهج فعال في إدارة الحكم في الولايات المتحدة، وربما بإعادة تعميم هذا النهج في بلدان كثيرة.
وكانت الجماعات العنصرية من الصهيونية المسيحية ستفرض هذا النهج على المجتمع الأميركي لسنين طويلة قادمة، وكانت العنصرية الجديدة ستفرض منطقها على قطاعات اجتماعية واسعة من الضائعين والحائرين والغائبين والمغيبين، الذين يبدو أنهم أوسع الفئات الاجتماعية الأميركية وأقلها وعياً ومشاركة واهتماماً بالشأن الأميركي العام.
أما على المستوى السياسي الإسرائيلي، فلو سقطت إيران، لكانت الخارطة السياسية والحزبية قد انقلبت رأساً على عقب، ولكانت المعارضة، أو ما تسمى المعارضة الإسرائيلية، قد تهشمت وسارعت في تقديم البيعة وإعادة الانخراط، وربما إعادة الاندماج بكل المفاهيم والمقولات التي تتبناها أحزاب اليمين الفاشي.
ولكانت تراجعت وخفت حدة المعارضة والاعتراض على ما كرسه نتنياهو حتى الآن من تقليص ومن قيود فرضها على الواقع المؤسساتي في بنية النظام السياسي كله.
تصوروا لو أن سقطت إيران، ماذا كان سيحل بقطاع غزة ؟ ألم يكن التهجير الكامل سيعود لاحتلال صدارة الأولويات الإسرائيلية، بالموافقة الأميركية التامة، وبالمصادقة المباشرة على إعادة إحياء الريفيرا على الساحل الغزاوي؟.
ألم يكن ترامب سيعود للحديث عن التهجير إلى مصر بنبرة جديدة، وبلهجة جديدة، وبإنذارات جديدة؟
ماذا كان سيكون مصير الضفة في هذه الحالة؟ ألم يطرح اليمين العنصري الفاشي لو سقطت إيران، أو سيطرت دولة الاحتلال على كامل الإقليم وتسيّدت عليه، على الأردن مثلاً، الاختيار بين الوطن البديل أو تهديد الدولة الأردنية لوجودها وبقائها؟
ماذا كان سيكون وضع أهلنا في الداخل الفلسطيني؟ تصوروا لو أن بن غفير انتصر ورقص في الشوارع فرحاً بسقوط طهران، كيف ستكون عليه سياساته، وكيف ستكون عليه قوانينه وأحكامه وسلوكه وممارساته، ماذا كان سيكون مصير لبنان بعد أن يتم اقتلاع أو اجتثاث المقاومة اللبنانية، ومطاردة حزب الله وإعادة تشتيت الطائفة الشيعية، وإعادة سيطرة القوى السياسية المتصهينة على المشهد السياسي اللبناني كله.
ماذا كان سيحل بكل وطني لبناني وتقدمي لبناني يعارض الهيمنة الإسرائيلية على لبنان وأرضه وشعبه وثرواته ومقدراته.
تصوروا لو أن لبنان فُرضت عليه الوصاية الصهيونية، كيف كان سيعاد تقسيمه وتهشيمه طائفياً واجتماعياً إلى عهود غابرة من الإقطاع السياسي، ومن علاقاتنا قبل الرأسمالية في الحقلين الاجتماعي والثقافي؟
ماذا كان سيحل بسورية؟ ماذا كان سيحل بالدولة السورية؟ وكيف سيكون عليه حالها مع انخراط الميليشيات الحاكمة فيها على الطائفة العلوية، وعلى الطائفة الدرزية، وعلى الطائفة السنية التي تعارض الأموية الجديدة، التي تنتظر الفرصة والتعليمات والأوامر، إذا سقطت إيران، للانقضاض على عدة جبهات دفعة واحدة؟
ماذا كان سيكون مصير العراق؟ مصير اليمن؟ وماذا كان سيكون عليه وضع الاستقرار السياسي والاجتماعي في الخليج لو اندلعت معارك حروب الطوائف هناك؟
الحقيقة أن سقوط إيران كان سيكون كارثة عربية وإسلامية. وكان هولاكو العصر سيدمر طهران مثلما تم تدمير بغداد.
كانت إيران تتحول إلى خمس أو ست دول تتقاتل فيما بينها لعشرات، وربما لمئات، السنين القادمة.
صمود إيران وعدم سقوطها، أو انتصارها أو عدم تمكين التحالف الأمروصهيوني من الانتصار عليها، كان بكل المقاييس أكبر عملية إنقاذ وطني وقومي وإسلامي شهده القليل، وهو أكبر عملية إنقاذ شهده العالم في هذا القرن، من أخطار سيطرة قوى الإجرام والإبادة والعنصرية على مقدرات الأمم والشعوب في أقاليم كثيرة من هذا العالم.
وهو إنقاذ للبشرية من عدو غاشم ليس لديه رأفة ولا رحمة، ولا قيم، ولا أخلاق سوى الإبادة والإجرام والإقصاء لكل من يعترض على نظامهم بالسيطرة والهيمنة والإخضاع.
نقول هذا ليس لأن إيران غير قابلة للنقد أو ليس لديها من الأخطاء والخطايا ربما، وإنما لكي نعلم أن إيران ساهمت وهي تساهم، من خلال صمودها، في إعادة بناء الإقليم بأقل درجة من الهيمنة الأمروصهيونية على شعوب بأمتها.