تقرير خطير عن سياسة اسرائيل في الضفة: سسيولوجيا الاحتلال.. افي بلوط (أو منظّم العنف المتطوّر)

هارتس
“اللواء ليس سوى انعكاس لبيئة مجتمعه. من عيّن أفي بلوت، خريج مدرسة “عِلي” التحضيرية والذي نشأ في مستوطنة وما تزال عائلته تعيش فيها، قائداً للقيادة المركزية — وهو الأول الذي يأتي من هذه الخلفية ويُعيَّن في هذا المنصب — قد شكّل من خلال هذا التعيين التغيير في سياسة إسرائيل في الضفة الغربية. وقد أشار تعيينه إلى محو التمييز المصطنع بين غزة والضفة. وبالفعل، فهو لا يُخيّب الآمال.

في حديث مغلق نشره يهشوع (جوش) براينر (صحيفة “هآرتس”، 4.5)، يعرض بلوت ببلاغة مهمته: خلق حرب مستمرة في الضفة، ولكن في الوقت نفسه منع تصعيدها. كيف يتم ذلك؟ من خلال خلق احتكاك دائم، و”ملامسة” الفلسطينيين وتحويل “القرى إلى بؤر صراع”. هكذا يتم إشعال النزاع. وفي المقابل، تقوم إسرائيل بالقتل “كما لم نقتل منذ عام 1967”. لكن القتل يُقدَّم على أنه شرعي، لأنه — بحسبه — موجّه فقط ضد منخرطين في “الإرهاب” (96%)، عبر إطلاق نار “جراحي” أو ما يسميه بلوت “عدوانية دقيقة”.

وليس من الصعب العثور على “المنخرطين”، لأن كل فلسطيني هو “مخرّب محتمل”، بحسب قوله. أما الذين لا يُعتبرون منخرطين، فيُقتلون أقل، لكن يتم خلق ردع ضدهم. كيف؟ من خلال الضائقة الاقتصادية التي تتجلى في البطالة، والتي تعمل كآلية تدفع متسللين يبحثون بيأس عن عمل في إسرائيل إلى الاستعداد “للمخاطرة بتلقي رصاصة في الركبة” من أجل الدخول. وتستغل إسرائيل الدافع الاقتصادي وتخلق “وعي الحاجز” من خلال التخفيف في إجراءات اعتقال المشتبه بهم.

إطلاق النار — كما يتضح من كلام أفي بلوت — لا يهدف إلى منع خطر، بل إلى إبقاء فلسطينيين في الميدان تكون عرجتهم شاهدة على ظروف إصابتهم، وهو يصفهم بـ”نُصُب تذكارية عرجاء”. لكن لو لم تكن هناك بطالة، لما حدث ذلك، ومن المشكوك فيه أنه كان سيتم العثور على مبررات تبدو “شرعية” لإطلاق النار على الركب وإنتاج هذا العدد الكبير من “النُصُب”.

هكذا تعمل آلة سيطرة متقنة وتبدو وكأنها شرعية. غير أن هذه الشرعية مهدَّدة من قبل مستوطنين لا يستوعبون قواعد اللعبة، والتي تقضي بأن العنف يجب أن يكون بيد الجيش فقط، وأنه لكي يُدار بكفاءة ينبغي تجنّب المبادرات الفردية. فالجيش، في الواقع، يخلق تواصلاً جغرافيًا في المنطقة (ج) من خلال عشرات المزارع — وهي محور اهتمام بلوت حتى قبل تعيينه لواءً.

ولإسكات العالم والفلسطينيين، يجب استخدام القوة بذكاء، وهذا ليس نهج المخالفين اليهود للقانون. وبشكل خاص، ينبغي منع الفلسطينيين من الرد (فهم — كما يقلق بلوت — بدأوا بتشكيل لجان حراسة مسلحة)، بينما تكمن “حِرفة” قائد المنطقة في ردع متقن يضمن فلسطينيين مطيعين.

لكن هنا يتوخى القائد الحذر من استفزاز المستوطنين، الذين يتعين عليه أيضًا ضمان طاعتهم. لذلك يمتنع الجيش عن إطلاق النار الفوري على راشقي الحجارة من اليهود، ليس فقط لتفادي خطر مباشر، بل لأن لذلك “تداعيات خطيرة جدًا من الناحية السسيولوجية”.

القائد، في دوره كنوع من عالم اجتماع وليس فقط حاكمًا عسكريًا، يمتنع عن أداء مهمته خشية زعزعة “النظام اليهودي”. لكن لكي لا يخرج الفلسطينيون عن طاعتهم، يتعين على بلوت إعادة ضبط سلوك مجتمع المستوطنين. ولهذا برز مؤخرًا بتصريحات حادة ضد ما يسمى “الإرهاب اليهودي”.

وبذلك، فهو يساهم في رسم خط فاصل بين عنفٍ يُمارس بشكل قانوني عبر الآلة العسكرية المنظمة — وفي مركزه السيطرة على الأرض من خلال المزارع — وبين عنف يمارسه مدنيون منفلتون يهدد هذه الشرعية.

“لا تعرقلوا خدمتي لكم”، يوجّه بلوت نداءه إلى المستوطنين. فالمشكلة، من وجهة نظره، ليست في العنف اليهودي بحد ذاته، بل في كونه غير مُدار من قبل الدولة، ما يهدد شرعية العنف المؤسسي. وهكذا يظهر بلوت كـ”منظِّم للعنف المتقن”: ليس فقط من يُمارس القوة، بل من يحدد أيضًا من يحق له استخدامها، وتحت أي شروط، وبأي قدر — ويطلب ألا يُعيقه أحد “.