جاري التحميل...

ثلاثة عشر آلية إجرامية لتعذيب الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني

بقلم  : حسام السويفي – مصر

في سجون الاحتلال الصهيوني، لا يُسجن الإنسان فحسب، بل يُعاد تعريفه قسرًا. يدخل الأسير بملامحه واسمه وذاكرته، ويُدفع دفعًا إلى عالمٍ يُراد له أن يخرج منه مكسور المعنى، مثقوب الروح، فاقد الثقة بجسده ذاته، هنا، لا يكون التعذيب وسيلة لانتزاع اعتراف، بل عقيدة كاملة، تُدار بعقل بارد، وتُمارس بلا تردد.

التعذيب في هذه السجون ليس انفلاتًا للحظة غضب، بل منظومة هندسية للإذلال، تتضمن 13 آلية لتعذيب الأسرى، تُصمم لتدمير الإنسان على مهل، دون أن يُقتل، ودون أن يُترك له ما يثبت أنه ما زال إنسانًا.

في سجون الاحتلال الصهيوني، لا يُسجن الإنسان فقط لأنه حُرم من الحرية، بل لأنه يُحوّل إلى مشروع كسر طويل الأمد، لا تُقاس سنوات الأسر هنا بعدد الأيام، بل بعدد المرات التي يُعاد فيها تحطيم الجسد، وتفكيك المعنى، واغتيال الإحساس بالذات، يدخل الأسير بطلا مقاوما، ثم تبدأ عملية نزع بطيئة ومدروسة، هدفها أن يخرج إنسانًا آخر، أو يبقى حيًّا بالبقية الباقية منه.

 

العتمة الأولى.. نزع الوجه عن صاحبه

يبدأ كل شيء بكيس أسود قذر يُسدل على الرأس. في لحظة، يُحجب النظر ويُسلب الأسير من العالم من حوله. يختنق النفس، يضيع الاتجاه، ويذوب الزمن كأنه ماء يتسرب بين الأصابع، لا يعرف أين هو، ولا إلى أين يُنقل، ولا كم مضى من الوقت، الرأس يصبح مساحة مغلقة، والذهن ساحة مفتوحة للهلع.

هذه العتمة ليست تفصيلًا، بل قرار نفسي محسوب، حين يُسلب الإنسان القدرة على الرؤية، يُسلب معه إحساسه بالسيطرة، ويبدأ التشقق الداخلي، كثير من الأسرى وصفوا هذه اللحظة بأنها الشعور بأنهم فقدوا إنسانيتهم وتحولوا إلى أجساد تُقاد بلا إرادة.

 

الشبح.. حين يُعلّق الجسد على الألم

في غرف التحقيق، يتعرّف الأسير سريعًا على ما يُسمّى بـ«الشبح»؛ إذ يُجبر الجسد على الوقوف أو الجلوس في أوضاع لا تُحتمل لساعات طويلة، وأحيانًا ليوم كامل أو أكثر. اليدان مكبلتان إلى الخلف أو الأعلى، الظهر مقوّس، الرقبة مشدودة، والعضلات في حالة استنزاف دائم.

أحيانًا يُجلس الأسير على كرسي صغير، بالكاد يسع قدم طفل، وارتفاعه لا يسمح بالاستقرار. لا راحة، لا توازن، لا إمكانية لتغيير الوضعية. الألم هنا يتسلل تدريجيًا، حتى يتحول الجسد كله إلى كتلة واحدة من الوجع.

هذا النوع من التعذيب لا يترك بالضرورة آثارًا واضحة على الجسد، لكنه يدمّر المفاصل، ويكسر العمود الفقري، ويترك آلامًا مزمنة ترافق الأسير لسنوات بعد التحرر، إنه تعذيب صامت، يترك أثرًا طويلًا لا يراه إلا من عاشه.

 

اغتيال النوم.. اغتيال العقل

النوم في هذه السجون ليس حقًا، بل خطرًا يجب منعه. يُحرم المعتقل من النوم عبر تحقيق متواصل، طرق فجائي على الأبواب، صراخ، أضواء قوية لا تنطفئ، وموسيقى صاخبة لساعات. يُستدعى للتحقيق في أوقات متقطعة، دون نمط، ودون إنذار، حتى يفقد إحساس الليل والنهار.

حرمان النوم ليس مجرد إنهاك جسدي، بل تدمير ممنهج للعقل. تتشقق الذاكرة، تختلط الأصوات، وتتآكل القدرة على التركيز. بعض الأسرى وصفوا هذه المرحلة بأنها الأخطر، لأن العقل حين يُرهق يصبح أكثر هشاشة من الجسد.

 

الزنزانة.. قبر بلا موت

الزنزانة ليست مكان احتجاز فقط، بل فضاء للعقاب المستمر. مساحة ضيقة، رطبة، سيئة التهوية، بلا شمس، وأحيانًا بلا نافذة. الجدران قريبة إلى حد الخنق، والسقف منخفض، والرائحة تختلط بالجسد حتى تصبح جزءًا منه.

لا مكان للجلوس براحة، ولا للوقوف بكرامة. الأرض باردة شتاءً، خانقة صيفًا. الفراش رقيق، مهترئ، وأحيانًا معدوم. هنا، يُعاد تعريف المساحة ليس بوصفها مكانًا، بل كوسيلة ضغط نفسي مستمر، الزنزانة تقول للأسير كل لحظة: أنت أصغر من هذا المكان، وأقل قيمة من هذه الجدران.

 

التجويع.. إبقاء الجسد على حافة الانهيار

لا يُمنع الطعام كليًا، فالهدف ليس القتل السريع، بل الإنهاك الطويل. تُقدَّم وجبات شحيحة، رديئة، بلا قيمة غذائية. التوقيت مذل، والوقت المخصص للأكل لا يكفي. أحيانًا بارد، أو فاسد، أو ناقص عمدًا.

الجسد الجائع لا يقوى على المقاومة، ولا يحتمل التحقيق الطويل، ولا يستطيع التفكير بوضوح. التجويع أداة ضبط، وسلاح صامت يبقي الأسير في حالة ضعف دائم، دون أن يموت.

 

الضرب.. لغة السلطة العارية

الضرب ليس انفجار غضب، بل لغة سلطة. الصفع، الركل، الخنق، الضرب بالعصي، توجيه الضربات للمناطق الحساسة، الحرق بأعقاب السجائر، الصدمات الكهربائية… الجسد بلا حرمة.

يتحول الإنسان إلى سطح تُجرّب عليه سلطة المحقق. كثير من الأسرى خرجوا بعاهات دائمة، كسور لم تُعالج، أعصاب تالفة، وآلام ترافقهم حتى اليوم.

 

الإذلال.. كسر الكرامة قبل الجسد

لا يكتفى بتعذيب الجسد، بل تُستهدف الكرامة مباشرة. يُجبر على خلع ملابسه، الوقوف عاريًا أمام المحققين، بلا ستر أو خصوصية. يُترك لساعات في هذا الوضع، جسد مكشوف وكرامة مدفونة.

أحيانًا يُجبر على الجلوس على الأرض أو على الرمل، أو يوضع قدم المحقق على وجهه أو رقبته، أو يُجبر على تقبيل الحذاء. هذه الممارسات ليست عبثية، بل رسائل تقول: جسدك لا قيمة له، وكرامتك قابلة للدوس.

 

الاغتصاب كأداة تعذيب

في بعض غرف التحقيق، يُستخدم الاغتصاب بالعصا أو أدوات صلبة كوسيلة تعذيب. ليس فعلًا جنسيًا، بل كسر كامل للإنسان. تهديدات بالاغتصاب أو الاعتداء على العائلة تُستخدم كأداة نفسية مدمّرة، تترك أثرًا عميقًا حتى لو لم تُنفذ.

 

العائلة.. رهينة التحقيق

لا يُعذَّب الأسير وحده. تُستدعى العائلة أداة ضغط، يُهدد باعتقال زوجته أو أمه أو أبنائه، وأحيانًا يُنفذ التهديد. يتحول الألم إلى جماعي، فيقف الأسير محاصرًا بين صموده وخوفه على من يحب.

 

العملاء.. الخديعة داخل الجرح

يُزج بالمعتقل أحيانًا مع عملاء لصالح المخابرات، يتظاهرون بالمشاركة في المعاناة، يبنون ثقة زائفة، ومهمتهم تفكيك الداخل، وزرع الشك، ودفع الأسير للكلام. إنها خيانة مُدارة تزيد من عزلة الأسير.

 

الهزّ.. حين يرتجّ الدماغ

الهزّ العنيف وهو أن يمسك المحقق بالمعتقل ويهزه بقوة وسرعة. كثير من الأسرى فقدوا وعيهم نتيجة ارتجاج الدماغ. يخلّف أضرارًا عصبية خطيرة واضطرابات نفسية طويلة الأمد.

 

البرد والحر.. العبث بالجسد

المعتقل يُعرّض لموجات برد قارس أو حرارة خانقة، وأحيانًا يُسكب عليه ماء شديد البرودة وهو عارٍ تمامًا، فيرتجف الجسد وتتشنج العضلات. الهدف ليس الألم فقط، بل فقدان السيطرة، لتحوّل الجسد إلى عبء.

 

المرض كفرصة تعذيب

إذا كان الأسير مريضًا، يُحرم من دوائه، وإذا كان جريحًا، تُضغط جراحه عمدًا. المرض فرصة إضافية للتعذيب. كثير من الأسرى استشهدوا نتيجة الإهمال الطبي، أو خرجوا بأمراض مزمنة يمكن علاجها بسهولة لو وُجد الحد الأدنى من الإنسانية.

 

القمع اليومي والعزل

لا ينتهي التعذيب بانتهاء التحقيق. القمع اليومي جزء من الحياة: اقتحامات مفاجئة، رش بالغاز، ضرب جماعي، تفتيش متكرر، حرمان من الزيارات والمحامين. ثم يأتي العزل الانفرادي: سجن داخل سجن، أسابيع أو شهور، بلا تواصل بشري، محاولة لكسر التوازن النفسي.

 

ومع ذلك، لم تنكسر الإرادة

رغم كل هذه المنظومة الجهنمية، لم تنجح السجون في هدفها النهائي. كُسرت أجساد، اغتُصبت كرامات، تشوّهت أرواح، لكن الإرادة الفلسطينية بقيت عصية على الكسر. خرج الأسرى وهم يحملون جراحهم كوثائق إدانة، لا كعلامات هزيمة، يحوّل الألم إلى وعي، والتجربة إلى شهادة، والسجن إلى فضيحة أخلاقية تلاحق الاحتلال.

في سجون الاحتلال الصهيوني، يُعاد تشكيل الألم كسياسة رسمية، ويُعاد أيضًا تشكيل الإنسان الفلسطيني بوصفه شاهدًا لا يصمت، ذاكرة لا تُمحى، وإرادة لا تُهزم.

عن موقع البركة نيوز الجزائري