جاري التحميل...

إخلاء مسؤولية الشيطان….

بقلم: شادي عياد

أكيد الكل سمع بقصة الحمار والشيطان.

يقال انه: كان هناك حمارٌ مربوط إلى شجرة هادئًا في مكانه، لا يؤذي أحدًا ولا يثير مشاكل.

مرّ الشيطان الملعون، وفكّ وثاقه.

لم يقل له: اذهب إلى الحقل.
ولم يقل له: خرّب الزرع.
ولم يقل له: أشعل حربًا.

فقط… فكّ الحبل.

الحمار بطبيعته، لم يحتج إلى كثير من التفكير.

مضى إلى حقل جاره، وأخذ يأكل الزرع ويفسده.

رأته زوجة صاحب الحقل، فأطلقت النار عليه وقتلته.

جاء صاحب الحمار، فلما رأى حماره قتيلًا، لم يسأل كثيرًا، قتل زوجة جاره.

جاء زوجها، فلما رأى زوجته مقتولة، قتل صاحب الحمار.

وهكذا في لحظات، انتقلت الحكاية من حمارٍ مربوط إلى دمٍ مسفوك.

وحين سألوا الشيطان:

ماذا فعلت؟

قال بكل برود:

أنا؟ لا شيء… فقط فككت وثاق الحمار.

وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن نتوقف عندها سياسيًا.

لأن الشيطان في هذه القصة لم يصنع الجريمة بيده.

هو فقط أطلق السبب الأول.

ثم ترك الغضب يكمل، والانتقام يكمل، وسوء التقدير يكمل، وكل واحدٍ من أطراف الحكاية أخذ خطوةً واحدة إلى الأمام… حتى لم يعد أحد يعرف كيف عاد الجميع إلى الخلف.

وهذا هو أخطر ما في السياسة.

ليست كل الكوارث بحاجة إلى من يصنعها كاملة.

أحيانًا يكفي أن يفك أحدهم حبلًا.

ثم يأتي الحمار.

ثم يأتي الغضب.

ثم تأتي الرصاصة.

ثم يأتي الثأر.

ثم يصبح كل طرفٍ مقتنعًا أنه لم يبدأ شيئًا، وإنما كان يردّ على ما فعله الآخر.

وهنا تتحول الحكاية من قصة حمار إلى درسٍ في صناعة الفوضى.

فالذي أطلق الرصاصة يستطيع أن يقول:
أنا قتلت الحمار.

والذي قتل المرأة يستطيع أن يقول:
أنا أخذت بثأر حماري.

والذي قتل الرجل يستطيع أن يقول:
أنا ثأرت لزوجتي.

أما الشيطان، فيجلس بعيدًا، ويقول:

وأنا؟ أنا فقط فككت الحبل.

وهذه بالضبط هي براعة الفوضى السياسية:

أن تجعل كل طرفٍ يبدو في نظر نفسه ضحيةً، وهو في نظر الطرف الآخر بداية الكارثة.

ثم تضيع الحقيقة بين «من بدأ؟» و«من رد؟» و«من كان مضطرًا؟».

وفي النهاية، لا يبقى أحدٌ بريئًا تمامًا، ولا يبقى الحقل كما كان.

ومن هنا يأتي السؤال الذي ربما يجب أن نطرحه على أنفسنا، لا على الحكاية:

هل لدينا شيطانٌ يفك وثاق الحمير؟

أم أن لدينا حميرًا، لا ينقصها سوى أن تجد الحبل مفكوكًا؟

أم أننا، ويا لسوء حظنا، نملك الاثنين معًا؟

ولعل المشكلة الأكبر ليست في الحمار الذي خرج من مكانه.

الحمار في الحكاية لم يفعل أكثر مما يعرف.

المشكلة في اليد “الشيطانيّة” التي عرفت ماذا سيحدث إذا فُكّ الحبل، ومع ذلك فكّته.

وفي الذين رأوا الحمار يدخل الحقل، فلم يوقفوه.

وفي الذين رأوا الرصاصة تُطلق، فلم يمنعوا الرصاصة التالية.

وفي الذين رأوا الدم الأول، ثم انشغلوا بإثبات أن دمهم أحقّ بالثأر من دم غيرهم.

وهكذا، يصبح الحبل الصغير أخطر من حجمه.

لأنه ليس مجرد حبل.

إنه حدٌّ بين الانضباط والانفلات، بين الحرية والفوضى، بين الاختلاف والخلاف الذي يأكل أصحابه.

وقد نحتاج فعلًا إلى رُقية شرعية.

نقرأ على المشهد كله المعوذات الثلاث

ونردد “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.

فيخرج الشيطان.

فنرتاح.

ثم نلتفت…

فنجد الحمار في الحقل.

والحقل قد أُكل.

والرصاصة خرجت.

والدم سال.

والغضب أصبح له أنصار.

وهنا تأتي المفارقة التي تجعل الحكاية أكثر قسوة من مجرد حكاية:

الشيطان يستطيع أن يفك الحبل ويرحل…

لكن الحمير، حين تتعلم طريق الحقل، لا تحتاج إلى شيطانٍ يقودها.

ولهذا، ربما لا تكون مصيبتنا الكبرى أن الشيطان يفك وثاق الحمير…

بل أن بعضنا، بعد أن يرى الحبل مفكوكًا، لا يسأل: من فكّه؟
بل يسأل: متى يأتي دوري لأدخل الحقل؟

والباقي عندكم

بقلم شادي عياد