بقلم: م.محمد علي العايدي
ثلاث سنوات مرّت على واحدة من أقسى المآسي التي عرفها شعبنا الفلسطيني في العصر الحديث. ثلاث سنوات من القتل والدمار والنزوح، من البيوت التي تحولت إلى ركام، ومن العائلات التي فقدت أحباءها، ومن الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم تحت الخوف وصوت القصف.
ثلاث سنوات، وغزة لم تنكسر.
قد تُهدم البيوت، وقد تُدمر المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، وقد يُقتلع الإنسان من مكان إلى آخر، لكن الإنسان الفلسطيني بقي متمسكاً بأرضه. أكثر من 1.9 مليون فلسطيني في غزة تعرضوا للنزوح الداخلي خلال سنوات الحرب، وكثير منهم نزحوا مرات متعددة، فيما فقد أكثر من 1.2 مليون شخص منازلهم، وفق تقييم أممي ودولي مشترك.
لم تكن المأساة في غزة مجرد حرب على الحجر؛ فقد كانت حياة الإنسان الفلسطيني نفسها في قلب هذه الكارثة.
واليوم، وبعد ما يقارب ثلاث سنوات، ما زالت آثار الدمار حاضرة في كل شارع وحي. وما زالت عشرات الآلاف من بقايا الضحايا تحت الأنقاض بحاجة إلى انتشال ودفن كريم، فيما يعيش عشرات الآلاف في مبانٍ غير آمنة ومخيمات نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
لكن غزة قالت كلمتها.
قالت إن التهجير ليس قدراً، وإن الفلسطيني لا يترك وطنه لأن الاحتلال دمر بيته، ولا يتخلى عن أرضه لأن الطريق إليها أصبح محفوفاً بالموت. قال أهل غزة، بالفعل قبل القول، إن البقاء على الأرض جزء من معركة الحفاظ على الهوية والوجود.
وفي الضفة الغربية أيضاً، لا تبدو الصورة منفصلة عن المشهد العام. فالهدم والتهجير وعنف المستوطنين والقيود على الحركة ما زالت تدفع فلسطينيين إلى النزوح، وقد وثقت الأمم المتحدة استمرار هذه الاتجاهات خلال عام 2026.
لهذا فإن المعركة الفلسطينية اليوم ليست معركة غزة وحدها.
إنها معركة الحفاظ على الإنسان الفلسطيني، وعلى حقه في الحياة والحرية والكرامة، وعلى حقه في أرضه ووطنه ومستقبله.
وإذا كان الاحتلال قد راهن على أن يتحول الركام إلى نهاية، فإن التاريخ الفلسطيني يقول إن الركام كثيراً ما كان بداية جديدة.
من تحت الركام ستعود البيوت.
ومن بين الخيام ستعود المدارس.
ومن بين دموع الأمهات سيكبر جيل يعرف وطنه جيداً.
ومن قلب غزة ستبقى فلسطين حاضرة في الوعي الفلسطيني والعربي والدولي.
بعد ثلاث سنوات، لا نحتاج إلى مزيد من الكلمات التي تتحدث عن الفلسطيني وكأنه رقم في نشرات الأخبار. نحتاج إلى موقف واضح يحمي المدنيين، وينهي الاحتلال، ويمنع التهجير القسري، ويضمن إعادة إعمار غزة، ويحفظ وحدة الأرض والشعب والقضية الفلسطينية.
غزة ليست ملفاً إنسانياً مؤقتاً.
وغزة ليست قضية جغرافية معزولة عن فلسطين.
غزة جزء من الوطن الفلسطيني، وأهلها جزء أصيل من شعبنا، وحقهم في الحياة والكرامة والحرية هو جزء من الحق الفلسطيني كله.
ثلاث سنوات من الألم كانت كافية لتكشف الكثير.
كشفت حجم المأساة، وكشفت أيضاً حجم الصمود.
وكشفت أن الفلسطيني، رغم كل ما فقد، ما زال يقول:
هذه أرضنا… وهذا وطننا… ولن يكون التهجير هو نهاية الحكاية.
فلسطين لا تُختصر في الحرب، ولا تُختصر في الموت والدمار.
فلسطين شعبٌ باقٍ، وذاكرةٌ لا تُمحى، وأرضٌ يتمسك بها أهلها، وحقٌ سياسي وإنساني لا يسقط بمرور الزمن.
وفي اليوم الذي تنتهي فيه الحرب، ستبدأ معركة أخرى: معركة إعادة بناء غزة، وإعادة بناء الإنسان، وترميم ما يمكن ترميمه، ودفن الشهداء بكرامة، وعودة الأطفال إلى مدارسهم، وإعادة الحياة إلى المدن والمخيمات.
وعندها سيكون السؤال الحقيقي أمام العالم:
هل سيترك الفلسطيني وحده مرة أخرى ليعيد بناء ما دُمّر، أم سيتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته في إنهاء أسباب المأساة، وضمان أن تكون هذه الحرب بداية طريق نحو الحرية والسلام العادل، لا مقدمة لمأساة جديدة؟
بعد ثلاث سنوات، تبقى غزة شاهدة.
شاهدة على الألم، وعلى الصمود، وعلى شعب لم يتخلَّ عن أرضه.
وستبقى فلسطين.