السياسي – فوجئ المشهد السياسي الأمريكي بخبر فوز مرشحة لم يكن يتوقع لها الكثيرون، جانيس لويس جورج، عضو مجلس مدينة واشنطن والمرشحة الديمقراطية الاشتراكية، حيث حصدت الانتخابات التمهيدية لتصبح على الأرجح العمدة المقبلة لعاصمة الولايات المتحدة.
ردّ فعل ترامب جاء على الفور عبر منصة “تروث سوشيال” قائلا عن عدوه اللدود كما تصفها الصحف الأمريكية: الشيوعية التي ستُنتخب على الأرجح عمدةً لواشنطن”.
-من كنيدي ستريت إلى قصر العمدة
ليست جانيس ابنة نخبة، فقد ولدت ونشأت في شارع كنيدي بواشنطن لعائلة عمالية من الجيل الثالث. جدتها الكبرى ربّت 13 طفلاً وهي تعمل خادمة. والدتها عاملة بريد منتسبة للنقابة كانت تأخذها معها إلى اجتماعات العمال.
في التاسعة من عمرها، فازت بجائزة علوم قبل أن تُوجّه انتقاداً علنياً لتدخين والدتها أمام الجمهور؛ ما أجبرها على الإقلاع، تقول عن حياتها “لا أعرف لماذا لم أخشَ يوماً رأي الآخرين. كنت أصعد إلى المنصة وأقول ما أريده”.
لكن الحياة أوجعتها مبكراً، حين رفعت إدارة العقارات إيجار شقة عائلتها، فوجدت نفسها وأمها مطرودتَين إلى الشارع. انتقلت للعيش في علّية شقة أختها، وتروي “واشنطن بوست” أن هذا الحدث بالذات لا تزال تستشهد به في خطابها عن حقوق المستأجرين حتى اليوم.
درست العلوم السياسية بعيداً عن واشنطن وعملت في المقاهي ومحلات الملابس لتموّل دراستها، ثم نالت دكتوراه في القانون من جامعة هوارد وعملت مدعيةً للأحداث في فيلادلفيا قبل أن تعود إلى واشنطن عام 2016 لرعاية والدها المريض. في مكتب المدعي العام للمنطقة، تعلمت أن تُوازن بين العقوبة والإنصاف، مؤكدة “أردت التغيير من الداخل”.
لم تصل إلى الاشتراكية الديمقراطية بالمصادفة، فعام 2016، أشعلت حملة بيرني ساندرز الرئاسية فتيل قناعاتها. ثم ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز أكدتها. في 2018، حضرت أول اجتماع لـ”الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين” في واشنطن، وسمعت جملة غيّرت مسارها: “لن نفوز على المستوى الوطني إلا إذا بدأنا بالفوز على المستوى المحلي”.
عام 2020، خاضت الانتخابات لمجلس مدينة واشنطن في الدائرة الرابعة ضد مرشح قريب من العمدة السابقة موريل باور، وفازت. تصفها “واشنطن بوست” بأنها أصبحت النقيض التام لباور: كل ما أيدته العمدة عارضته جانيس، من سياسات الإسكان إلى الأمن العام”.
في مدينة تُعاني من عجز ميزانية بمليار ومئة مليون دولار وفقدت 1.7% من وظائفها العام الماضي – وهو الأسوأ على مستوى الولايات المتحدة – تُقدّم جانيس لويس جورج وصفة جذرية: رعاية أطفال شاملة تُحدّد نفقات الأسرة بسبعة بالمئة من دخلها السنوي، مع رفع رواتب العاملين في هذا القطاع لمستوى المعلمين النقابيين.
كذلك بناء 72,000 وحدة سكنية في خمس سنوات، جزء منها إسكان اجتماعي حكومي، وتجميد الإيجارات، وحظر الإخلاء خلال موجات الحرّ الشديد، وإنهاء أي تعاون بين شرطة المدينة وقوات مراقبة الهجرة(ICE).
المنتقدون يُؤشّرون على الفجوة بين الطموح والميزانية. يقول آدم فوفانا من مجموعة “DMV New Liberals” التي دعمت منافسها: “المدينة في ركود محلي حقيقي. هذا قيد صارم على الموارد المتاحة”. لكن جانيس لا تتراجع: “بالطريقة نفسها التي أعطت بها العمدة الأولوية لجعل واشنطن مدينة رياضية، سأجعلها مدينة العمال”.
الرئيس الأمريكي لم ينتظر حتى الانتخابات العامة، فقبل الانتخابات التمهيدية بأيام قال: “لن أقبل هذا الوضع. ربما نُعيد واشنطن لإدارة فيدرالية مباشرة”. وبعد فوزها في التمهيدية، كتب عبر “تروث سوشال” محدداً ما يخشاه: إفراغ السجون، جعل واشنطن مدينة ملاذ للمهاجرين، معارضة ICE، الإفراج دون كفالة، ونزع سلاح الشرطة”.
ردّها جاء مباشراً وبالشفرة ذاتها: “لن نُبعد ICE عن شوارعنا بالخضوع لهذا الرئيس. التهديد بإلغاء حق الحكم الذاتي لأنك لا تحب كيف يصوت السكان هو هجوم على الديمقراطية بذاتها”.
من جهتها ترصد “ذا أتلانتيك” المشكلة الجوهرية، وهي ليست ترامب وجانيس كشخصَين، بل البنية القانونية. واشنطن لا تنتمي لأي ولاية. الكونغرس يملك حق الإلغاء على أي قانون يُصدره المجلس البلدي. والرئيس يستطيع نشر الحرس الوطني أو تفعيل الشرطة الفيدرالية داخل حدودها.
في نوفمبر، إذا استعاد الديمقراطيون الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، تتغيّر المعادلة. وإلا، ستدير جانيس مدينةً رهينة بيد خصمها.