حرية التعبير بين قداسة الإنسان وحدود المقدّس: جدل القيم في عالم متصدّع:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

في عالمٍ يتسارع فيه الإيقاع الحضاري وتتشابك فيه الثقافات والأديان، تغدو مفاهيم الحرية أكثر تعقيداً من أن تُختزل في شعاراتٍ براقة أو تُختطف في ممارساتٍ منفلتة. ولعلّ “حرية الرأي والتعبير” تُعدّ من أكثر المفاهيم عرضةً للتأويل، إذ تقف عند تخومها أسئلة فلسفية وأخلاقية حادّة: أين تنتهي الحرية؟ وأين تبدأ الإساءة؟ وهل يمكن للإنسان أن يُمارس حريته دون أن يلامس جراح الآخر الرمزية والعقائدية؟
إنّ حرية التعبير، كما نصّت عليها المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ليست حقًا مطلقًا مفصولًا عن سياقه الإنساني، بل هي حقٌّ مشروطٌ بمسؤوليةٍ أخلاقية، ومقيدٌ بحدودٍ تضمن صون كرامة الآخرين ومعتقداتهم. فالحرية، في جوهرها الفلسفي، ليست انطلاقًا في الفراغ، بل هي فعلٌ واعٍ داخل شبكةٍ من العلاقات الإنسانية التي تفرض احترام التعددية، وتستلزم الاعتراف المتبادل بين الذوات.
غير أنّ الإشكالية تتفاقم حين تتحوّل الحرية إلى أداةٍ للاستفزاز، أو حين يُعاد تعريفها لتشمل ازدراء الأديان والطعن في المقدّسات. هنا، لا نكون أمام ممارسةٍ لحقٍّ إنساني، بل أمام انزلاقٍ نحو خطاب الكراهية الذي يقوّض أسس العيش المشترك. فالإساءة إلى الرموز الدينية، تحت ذريعة حرية التعبير، لا تعبّر عن شجاعة فكرية بقدر ما تعكس إفلاسًا أخلاقيًا وعجزًا عن إدارة الاختلاف ضمن أفقٍ حضاري.
لقد كشفت حوادث معاصرة، مثل إقدام بعض الشخصيات المتطرفة على حرق المصاحف أو نشر رسوم مسيئة للأنبياء، عن خللٍ عميق في فهم الحرية داخل بعض البيئات الغربية، حيث يُخلط بين النقد المشروع والتشهير العدائي، وبين التفكيك المعرفي والإهانة الرمزية. إنّ مثل هذه الأفعال لا تُنتج حوارًا، بل تُشعل فتائل الصراع، وتغذّي نزعات التطرف من كلا الطرفين، لتدخل الإنسانية في دوامةٍ من ردود الفعل المتبادلة التي لا تُبقي ولا تذر.
من منظورٍ فلسفي، لا يمكن فصل الحرية عن المسؤولية، ولا يمكن بناء مجتمعٍ متماسكٍ على أنقاض المقدّسات. فالمقدّس، سواء أكان دينيًا أم ثقافيًا، يشكّل جزءًا من الهوية الوجودية للأفراد والجماعات، والاعتداء عليه يُعدّ اعتداءً على كيانهم الرمزي. ومن هنا، فإنّ الدفاع عن حرية التعبير لا ينبغي أن يتحوّل إلى تبريرٍ لانتهاك كرامة الآخر، بل إلى تعزيزٍ لثقافة الحوار والنقد الرصين الذي يسعى إلى الفهم لا إلى الهدم.
إنّ التوازن الدقيق بين الحرية والاحترام هو ما يصنع المجتمعات الناضجة. فحرية التعبير التي لا تعترف بحدودها، تتحوّل إلى فوضى، كما أنّ القيود التي تخنق الحرية تُفضي إلى الاستبداد. وبين هذين الحدّين، تنشأ الحاجة إلى وعيٍ إنسانيٍّ عميق يُدرك أنّ الاختلاف ليس مبررًا للإقصاء، وأنّ التعدد ليس ذريعةً للازدراء.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية ترسيخ خطابٍ عالميٍّ جديد يقوم على احترام المقدسات الدينية، دون أن يُغلق باب النقد العلمي أو الحوار الفكري. خطابٌ يعترف بأنّ الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا فحسب، بل هو أيضًا كائن رمزي يعيش ضمن منظومةٍ من القيم والمعاني التي تمنحه الإحساس بالانتماء والكرامة.
إنّ ما يحتاجه العالم اليوم ليس المزيد من الشعارات حول الحرية، بل إعادة تأصيل هذا المفهوم ضمن أفقٍ أخلاقيٍّ يوازن بين الحق والواجب، بين التعبير والمسؤولية، بين الذات والآخر. فالحضارة الحقيقية لا تُقاس بمدى اتساع هامش الحرية فقط، بل بقدرتها على حماية الإنسان—في عقيدته، وكرامته، وحقّه في أن يُحترم لا أن يُستفز.
وهكذا، فإنّ حرية التعبير، إذا لم تُضبط بميزان الحكمة، قد تنقلب من نعمةٍ إنسانية إلى نقمةٍ حضارية، ومن أداةٍ للتحرّر إلى وسيلةٍ للهدم. أما إذا اقترنت بالوعي الأخلاقي، فإنها تصبح جسرًا للتفاهم، ومساحةً رحبةً يلتقي فيها المختلفون دون أن يُلغي أحدهم الآخر، فيتحقق بذلك المعنى الأسمى للحرية: أن نكون أحرارًا دون أن نجرح إنسانية غيرنا.