هناك لحظات لا يُختبر فيها الوطن بقدر ما تُختبر فيها قدرتنا على ألا نضيّعه ونحن نبحث عن مخرج.
وهذه واحدةٌ منها.
فلسطين اليوم لا تواجه امتحانًا واحدًا،
سياسةٌ تضغط، واقتصادٌ يثقل، ومجتمعٌ أنهكته السنوات، وشبابٌ ينظر إلى الغد بعينٍ متعبة، واحتلالٌ لا يريد لهذه البلاد أن تلتقط أنفاسها.
وفوق كل ذلك، سؤالٌ أخطر:
كيف نحمي فلسطين من أن يصبح ثقل الحياة أثقل من فكرة الوطن؟
هنا لا تنفع الخطب، ولا تكفي الشعارات.
فالذي يذهب إلى عمله ولا يعرف إن كان راتبه سيكفي بيته، والذي ينتظر فرصةً لا تأتي، والذي يرى المستقبل يبتعد عن أبنائه… ليس خارج القضية.
هؤلاء هم القضية.
ومن الخطأ أن نتحدث عن الوطن وكأنه شيءٌ منفصل عن خبز الناس وكرامتهم وأمانهم وأمل أبنائهم.
لكن الخطر الأكبر أن تدفعنا قسوة الواقع إلى الانشغال ببعضنا عن فلسطين. أن يتحول الفقر إلى غضب، والإحباط إلى خصومة، والخلاف السياسي إلى قطيعة، والتعب إلى فقدانٍ للثقة بكل شيء.
فالوطن لا يسقط دفعةً واحدة.
أحيانًا يبدأ سقوطه حين يفقد الناس شعورهم بأنهم جماعةٌ واحدة في مصيرٍ واحد.
ولهذا، لسنا مطالبين اليوم بأن نتفق في كل شيء.
بل أن نتفق على ما لا يجوز أن نختلف عليه:
أن فلسطين ليست ساحةً لتصفية الحسابات.
وأن القرار الوطني ليس تفصيلًا، وكرامة المواطن ليست ملفًا مؤجلًا، ولقمة الناس ليست رقمًا في جدول، والاختلاف السياسي لا يمنح أحدًا حق تمزيق النسيج الاجتماعي.
نحن متعبون، نعم.
لكن التعب ليس هزيمة، والضيق ليس نهاية.
فالشعوب لا تُقاس بعدد المرات التي ضاقت فيها عليها الدنيا، بل بما تفعل حين تضيق.
وفلسطين الآن لا تحتاج إلى من يرفع صوته فوق صوتها.
تحتاج إلى من يسمعها:
أن يسمع أنين المواطن قبل التصفيق، وخوف الشاب قبل أن يطلب منه الأمل، ووجع الأسرة قبل أن يحدثها عن الصبر.
وتسمع، فوق ذلك كله، صوت الوطن وهو يقول:
لا تجعلوا قسوة الأيام تأخذ منكم ما لم يستطع الاحتلال أخذه.
وما لم يستطع الاحتلال أخذه هو فلسطين:
اسمها، وكرامتها، وذاكرتها، ووحدتها، وحق شعبها في أن يبقى واقفًا.
قد تضيق علينا السياسة…
وقد يثقل علينا الاقتصاد…
وقد يتعب منا المجتمع…
لكن هناك مساحةً واحدة يجب ألا تضيق أبدًا:
المساحة التي تتسع فيها فلسطين داخلنا.