أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2
ليس الظلام نهاية الضوء، بل هو الشرط الأخير لولادته. ولعلّ المقولة التي تقول: “إن الجزء الأكثر ظلمة من الليل يأتي قبل الفجر مباشرة” ليست مجرد تعبير شعري، بل هي قانون فلسفي يختزن في أعماقه منطق الوجود وحركة التاريخ وسيرورة الإنسان نحو التحقق. فكل أزمة كبرى تحمل في داخلها بذور تجاوزها، وكل انكسار عميق يختزن إمكانية النهوض من جديد.
إن الإنسان لا ينتظر الفجر بوصفه هبةً مجانية من الزمن، وإنما يصنعه بإرادته، ويستحضره بإيمانه، ويؤسس له بعقله. فالإرادة ليست رغبة عابرة، بل قوة وجودية قادرة على تحويل الممكن إلى واقع، والإيمان ليس استسلاماً للقدر، بل ثقة بأن المستقبل لا يُورث، وإنما يُبنى بالفعل والعمل.
ومن هنا يغدو العقل القوة التي لا تكتفي بتفسير الواقع، بل تسعى إلى عقلنته وإعادة تشكيله. فالعقل لا يخضع للواقع بوصفه قدراً ثابتاً، وإنما يعمل على إخضاع الواقع لمقتضيات المنطق والمعرفة والإبداع. وحين يمتلك الإنسان وعياً نقدياً وإرادة صلبة، يتحول الواقع من سلطة تفرض شروطها إلى مادة قابلة لإعادة البناء والتغيير.
وفي هذا السياق يبرز فكر الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، الذي لم ينظر إلى المعرفة باعتبارها تراكمًا ساكنًا، بل بوصفها ثورة دائمة على اليقينيات المغلقة. فالديالكتيك عنده ليس صراعاً ينتهي إلى حقيقة نهائية، بل ديالكتيك مفتوح يجعل الحقيقة نفسها في حالة مراجعة مستمرة، ويجعل التغيير يخضع للتغيير، فلا توجد نهاية نهائية للحركة، ولا حقيقة تتجاوز إمكان النقد والتجدد.
إن أعظم ما يقدمه باشلار هو تحرير العقل من وهم الثبات، لأن الوجود في جوهره حركة لا تعرف السكون، ولأن المعرفة الحية هي التي تمتلك الشجاعة لهدم مسلماتها كلما اقتضت الضرورة ذلك. ومن هنا يصبح الفجر نفسه ليس محطة أخيرة، بل بداية لفجر جديد أكثر إشراقاً.
وهذه الرؤية تجد جذورها الأولى عند الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس، صاحب المقولة الشهيرة: “لا يستطيع الإنسان أن ينزل إلى النهر نفسه مرتين.” فبين النزول الأول والثاني يكون ماء النهر قد تغير، ويكون الإنسان نفسه قد تغير أيضاً. إن الوجود ليس كتلة جامدة، بل نهر دائم الجريان، والزمن لا يعيد نفسه، وإنما يخلق في كل لحظة واقعاً جديداً.
ولذلك فإن من يعيش أسر الماضي يفقد القدرة على صناعة المستقبل، أما من يدرك قانون التغير فإنه يكتشف أن أشد لحظات الألم قد تكون البوابة الحقيقية للتحول الكبير. فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات كثيراً ما ولدت من قلب الأزمات، وأن الأمم التي امتلكت إرادة الحياة استطاعت أن تحول الهزائم إلى بدايات جديدة.
إن الفجر لا يأتي لأن الليل تعب، وإنما لأن قوانين الكون قائمة على الحركة والتجدد. وكذلك الإنسان؛ لا يخرج من أزماته بمجرد انتظار الزمن، بل عندما يقرر أن يكون شريكاً في صناعة الزمن نفسه. فالعقل الذي يفكر، والإرادة التي تصمد، والإيمان الذي لا ينطفئ، هي القوى التي تجعل المستحيل مشروعاً للممكن.
ومن هنا فإن أكثر لحظات الحياة ظلمة ليست دعوة إلى اليأس، بل نداءٌ فلسفي يدعو الإنسان إلى التمسك بالأمل. فحين يشتد الليل، تكون الشمس قد بدأت بالفعل رحلتها نحو الأفق، وإن لم ترها العيون بعد.
وهكذا يعلمنا الوجود أن كل ظلام يحمل في أعماقه وعداً بالنور، وأن كل أزمة تحمل إمكانية الخلاص، وأن الإنسان لا يُقاس بما يواجه من محن، بل بقدرته على تحويلها إلى معنى، وإلى فعل، وإلى مستقبل أكثر إنسانية. فالفجر ليس حدثاً زمنياً فحسب، بل هو انتصار العقل على الخوف، والإرادة على الانكسار، والأمل على اليأس، والحياة على كل أشكال العدم.