جاري التحميل...

خالف تُعرف، غواية المخالفة بين مرض الذات وتصدّع الجماعة.

بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

من أعمق الإشكالات التي ابتليت بها الثقافة الإنسانية – قديمها وحديثها – هي نزعة “المخالفة من أجل المخالفة”، أو ما يصطلح عليه في التداول الشعبي بشعار: خالف تُعرف. ظاهرة تُشبه الطفيليات التي تنمو على جسد المجتمع، وتقتات من توتراته وانفعالاته، دون أن تُنتج معرفةً أو تضيف معنى. إنها ليست ثورة فكرية أصيلة كما قد يتوهم البعض، بل محض استعراض نفسي يعكس نواقص الذات واحتياجاتها التعويضية.
ولعلّني أتذكر هنا ما كتبه فريدريك إنجلز في كتابه ثورة السيد أوجين دوهرينغ في الفلسفة، حين أشار – في سياق نقده لادعاءات دوهرينغ – إلى أن المخالفة الصاخبة ليست بالضرورة دليلاً على العمق، بل قد تكون مجرّد محاولة للتعويض عن فقر داخلي. وهو ما يوازيه في ثقافتنا العربية المثل الرائج: خالف تُعرف.
–المخالفة بوصفها عَرَضاً نفسياً.

المخالفة في أصلها يمكن أن تكون فعلَ تحررٍ مشروع، إذ يقول نيتشه: لا تولد الحقيقة إلا من رحم التمرد. غير أن المخالفة التي نرصدها تحت شعار “خالف تُعرف” ليست تمرداً على النسق من أجل تأسيس أفق جديد، بل هي تمرّد هشّ، مدفوع برغبة في الظهور والتعويض عن النقص.
ففي ضوء علم النفس التحليلي عند فرويد، يمكن قراءة هذه الظاهرة بوصفها آلية دفاعية ضد شعور دفين بالدونية؛ إذ يتخذ الفرد من معاكسة الجماعة وسيلة لإثبات ذاته، وإن كانت هذه المخالفة قائمة على فراغ معرفي. إنّه يصرخ في وجه العالم كي يُقال: “ها أنا موجود”، غير أنّ وجوده مشروط بانزعاج الآخرين منه، لا بإبداعه أو إضافته.
— المخالفة كجريمة اجتماعية.
المجتمع ليس كياناً مجرداً، بل نسيجاً متماسكاً يقوم على الثقة والتعاون والجدل المعرفي الصحي. وحين تتحول المخالفة إلى غاية في ذاتها، فإنها تنخر في هذا النسيج، وتحوّله إلى ساحة ضجيج وبلبلة.
يقول جان جاك روسو في العقد الاجتماعي: الحرية لا تكون في أن تفعل ما تشاء، بل في أن لا تُخضع الآخرين لأهوائك. ومن هذا المنظور، تصبح “خالف تُعرف” انزلاقاً من الحرية إلى الفوضى، ومن الرأي المختلف إلى الجريمة الرمزية ضد الجماعة.
بل إن ابن خلدون، في مقدمته، يفرّق بين الخلاف المشروع الذي يولّد العمران والتجديد، وبين الخلاف المخرّب الذي يقود إلى “فساد العصبية وانهيار الدول”. وبهذا المعنى، فإن “خالف تُعرف” هي تجسيد حيّ لذلك الخلاف التخريبي.
— المخالفة بين الإبداع والزيف.
ليس كل مخالفة مذمومة. فالفكر الفلسفي منذ سقراط وحتى هابرماس قائم على “سؤال المغايرة”؛ أي مساءلة المسلّمات. لكن الفرق الجوهري يكمن في النية والنتيجة:
المخالفة الإبداعية: تهدف إلى الكشف عن مساحات جديدة من الوعي والمعنى، كما فعل سقراط حين خالف السفسطائيين، أو غاليليو حين خالف الكنيسة، أو طه حسين حين خالف التقليد.
المخالفة الزائفة: لا تسعى إلى الحقيقة، بل إلى الشهرة العابرة. هنا تتحقق مقولة أوسكار وايلد: هناك أشخاص لا يستطيعون العيش إلا إذا كانوا في موقع المعارضة.
“خالف تُعرف” إذن ليست تمرّداً فلسفياً ولا نقداً معرفياً، بل تمثيلٌ مرضيّ لغياب الجوهر، وسعي لتعويض الغياب بالضجيج.
–النتائج السلبية لشعار “خالف تُعرف”:
_ ١. تفكيك المعايير: إذ يُستبدل معيار الصواب والخطأ بمعيار الرفض والقبول فقط.
_ ٢. تغذية النرجسية الفردية: يصبح الإنسان مركز العالم بقدر ما يثير من جدل سلبي.
_ ٣. إضعاف الحوار الحقيقي: إذ يُستبدل الحوار الفكري العميق بلعبة المناكفة والمشاكسة.
_ ٤. تحويل المجتمع إلى مسرح استعراض: حيث لا تُقاس قيمة الأفكار بما تحمله من معرفة، بل بما تثيره من ضوضاء.
— خاتمة

بين المخالفة المشروعة التي تُخصب الفكر وتفتح أفق الإبداع، والمخالفة المَرَضية التي ترفع شعار “خالف تُعرف”، مسافة شاسعة تفصل بين الثورة المعرفية والتمثيل النفسي. الأولى تُبنى على وعي ومسؤولية، والثانية على فراغ ورغبة في لفت الأنظار.
وهنا نستحضر قول هايدغر: اللغة بيت الوجود. فالمخالف الأصيل يبني بيتاً جديداً في اللغة والفكر، بينما المخالف الزائف يكتفي بطرق الأبواب بعشوائية، محدثاً ضجيجاً بلا أثر.
وعليه، فإن “خالف تُعرف” ليست سوى مرض اجتماعي وفكري ينبغي علاجه بالنقد الصارم، حتى لا تتحول الحرية إلى فوضى، والمجتمع إلى مسرح للادعاء.