جاري التحميل...

د. سمير الرفاعي… نحلة فلسطين في دمشق

استاذ الفلسفة وعلم الاجتماع
جامعة الجزائر 2

ليس كل سفيرٍ ممثلًا لدولة، فثمة سفراء يمثلون الذاكرة، ويؤنسنون الجغرافيا، ويمنحون السياسة بعدها الأخلاقي. هكذا بدا لي الأخ العزيز الدكتور سمير الرفاعي، سفير دولة فلسطين في دمشق؛ رجلٌ يحمل فلسطين في وجدانه قبل أن يحملها في صفته الدبلوماسية، ويؤمن بأن الرسالة الوطنية تبدأ من الإنسان قبل أن تستقر في مؤسسات الدولة.
في دمشق، المدينة التي لم تغادر الوجدان الفلسطيني، تتحرك الروح الفلسطينية كالنحلة التي تهبط على بساتين الشام، لا لتقتطف رحيق المكان فحسب، بل لتؤكد أن الأشجار التي تمتد جذورها في الأرض العربية لا تعرف حدود الخرائط، وأن الذاكرة، كلما اتسعت، ازدادت قدرة على مقاومة النسيان.
في الفلسفة، لا تُمنح الحقيقة جاهزة، بل تُولد من جدل الوعي مع ذاته، ومن حركته المستمرة بين الواقع والإمكان. فالروح لا تبلغ اكتمالها إلا وهي تسائل وجودها، وتعيد إنتاج معناها عبر التاريخ. لذلك يبقى الإنسان الحر هو الذي لا يتوقف عن البحث، ولا يكتفي بإجابات الزمن، بل يظل يصنع أسئلته الكبرى.
والقضية الفلسطينية، في جوهرها، ليست مجرد قضية سياسية، بل هي سؤال أخلاقي وفلسفي عن العدالة والحق والكرامة الإنسانية. إنها جدلٌ مفتوح بين القوة والشرعية، بين الرواية ومحاولات محوها، وبين الذاكرة التي ترفض النسيان، والهوية التي تتجدد مع كل جيل.
وخلال زيارتي للدكتور سمير الرفاعي في سفارة دولة فلسطين بدمشق، لم أرَ مسؤولًا يؤدي واجبه فحسب، بل رأيت نحلةً فلسطينيةً لا تعرف الكلل، تجمع رحيق وطنها من ألف زهرة، وتصنع من كل لقاء مساحةً للحوار، ومن كل موقف رسالةً وطنيةً عنوانها فلسطين. كان حضوره هادئًا، وعميقًا، ومشبعًا بإيمانٍ راسخ بأن الدبلوماسية ليست فن إدارة العلاقات فقط، بل فن الحفاظ على ذاكرة الوطن والدفاع عن روايته الإنسانية.
لقد أيقنت أن الإنسان، حين يحمل وطنه في قلبه، يصبح الوطن حاضرًا في لغته، وفي أخلاقه، وفي سلوكه اليومي. وهكذا وجدت في الدكتور سمير الرفاعي نموذجًا للدبلوماسي الذي يزاوج بين الفكر والموقف، وبين التواضع والصلابة، وبين الانفتاح على الآخر والثبات على الثوابت الوطنية.
إلى أخي العزيز الدكتور سمير الرفاعي، كل الحب والتقدير والوفاء. وأسأل الله أن يمدك بالصحة والعافية، وأن تبقى كما عرفتك، صوتًا لفلسطين، وحارسًا لذاكرتها، ورسولًا لقيمها الوطنية والإنسانية.