جاري التحميل...

رحيل الأمين خليفة فحيمة – الليبي الذي نجا من مقصلة قضية لوكربي

السياسي – في الخامس والعشرين من أغسطس (آب) 2026، وفي زاوية هادئة من العاصمة الليبية طرابلس، انطفأت بهدوء شمعة حياة المواطن الليبي الأمين خليفة فحيمة عن عمر ناهز 70 عاماً.
وبوفاته، تُطوى رسمياً واحدة من أكثر الصفحات غموضاً وإثارة في تاريخ الصراع الدبلوماسي والاستخباراتي بين الشرق والغرب، وتُغلق حلقة حية من فصول قضية تفجير طائرة «بان أميركان» رقم 103 المتجهة من فرانكفورت إلى نيويورك عبر لندن فوق بلدة لوكربي الإسكوتلندية عام 1988، الحادثة التي غيرت مجرى السياسة الدولية لعقود.

طوال عقد كامل من الزمان، كان اسم هذا الرجل، الذي بدأ حياته موظفاً بسيطاً في خطوط الطيران، يتردد في أروقة مجلس الأمن الدولي، وتتصدر صورته شاشات التلفزة العالمية وصحف العقود الماضية بصفته «المتهم الثاني» في أبشع عمل إرهابي جوي شهده القرن العشرون.

لقد كان فحيمة شريكاً رغماً عنه في ملحمة قانونية وسياسية فريدة من نوعها، تحولت فيها تفاصيل حياته اليومية في جزيرة مالطا محور اتهام دولي كاد أن يعصف بدولة بأكملها، قبل أن يقف بثبات خلف زجاج «محكمة معسكر زايست» التاريخية في هولندا ليسمع بأذنيه كلمة «بريء» تنطق بها العدالة الاسكوتلندية مطلع الألفية الجديدة، ليعود إلى بلاده حاملاً صك براءة عجزت السياسة عن منحه إياه لسنوات.

وجاء رحيله ليعيد فتح دفاتر الذكريات الساخنة لحقبة الحصار الخانق والعقوبات الدولية، مذكراً العالم بقصة رجل عاش في قلب العاصفة، ومات في سكون العزلة التامة بعيداً عن صخب السياسة التي كادت أن تبتلعه.

وُلِد الأمين خليفة فحيمة عام 1956 في منطقة سوق الجمعة بضواحي العاصمة الليبية طرابلس. وتدرج في مسيرته المهنية حتى التحق بشركة الخطوط الجوية العربية الليبية. وفي منتصف الثمانينات، أُرسل للعمل مسؤولاً ومرحلاً جوياً ومديراً لمحطة الشركة في مطار لوقا بدولة مالطا. كانت هذه الوظيفة تبدو روتينية للموظف الشاب، لولا تقاطعها مع الصراع الاستخباراتي المحموم الذي كان يدور على ضفاف البحر الأبيض المتوسط بين النظام الليبي السابق والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

ولم يكن يعلم فحيمة حينها أن توقيعه على مستندات الشحن ومواعيد نوباته في هذا المطار المتوسطي ستتحول لاحقاً المادة الأساسية التي استندت إليها لائحة الاتهام الدولية التي صاغها كبار المحققين في واشنطن ولندن.

في الحادي والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 1988، انشقت السماء فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية إثر انفجار طائرة «بوينغ 747» التابعة لشركة «بان أميركان» (الرحلة 103) وهي في طريقها من فرانكفورت إلى نيويورك؛ ما أسفر عن مقتل 270 شخصاً.

وبعد ثلاث سنوات من التحقيقات المشتركة المعقدة بين مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) والشرطة الاسكوتلندية، وُجهت أصابع الاتهام رسمياً في نوفمبر (تشرين الثاني) 1991 إلى عنصرين ليبيين: عبد الباسط المقرحي، والأمين خليفة فحيمة. وعدَّت التحقيقات الغربية وقتها أن فحيمة استغل منصبه وعلاقاته في مطار مالطا لتسهيل تمرير حقيبة سامسونيت البنية الملغومة، التي حوت قنبلة موقوتة مخبأة داخل جهاز تسجيل، لتدخل على متن رحلة تابعة للخطوط الليبية متجهة إلى فرانكفورت ومنها إلى طائرة «بان أميركان» المنكوبة.

رفضت طرابلس في البداية تسليم مواطنيها؛ ما أدخل البلاد تحت طائلة عقوبات دولية صارمة وحصار جوي واقتصادي فرضه مجلس الأمن الدولي عام 1992.

وعاشت ليبيا عقداً من العزلة الشديدة والشلل الاقتصادي، حتى أثمرت الجهود الدبلوماسية الشاقة التي قادتها أطراف عربية وأفريقية، عن صياغة تسوية قانونية وتاريخية فريدة.

تمثلت هذه التسوية في موافقة ليبيا بموجبها على تسليم المتهمين عام 1999 لمحاكمتهما أمام محكمة اسكوتلندية خاصة، ولكن على أرض محايدة في «معسكر زايست» (قاعدة عسكرية أميركية سابقة) بالقرب من أوترخت في هولندا، وتحت مظلة القانون الجنائي الاسكوتلندي.

في الحادي والثلاثين من يناير (كانون الثاني) عام 2001، حبس العالم أنفاسه مع نطق القضاة الاسكوتلنديين بالحكم الذي انتظره الملايين. وفي حين أُدين رفيقه عبد الباسط المقرحي بالسجن المؤبد، قضت المحكمة بـبراءة الأمين خليفة فحيمة قطعيّاً من جميع التهم المنسوبة إليه، وأمرت بإطلاق سراحه فوراً من خلف القفص الزجاجي المضاد للرصاص.

واستند القضاة في تبرئته إلى عدم كفاية الأدلة، ووجود ثغرات جوهرية في رواية الشهود (ولا سيما تاجر الملابس المالطي توني غوتشي)، فضلاً عن إثبات الدفاع بشكل قاطع أن فحيمة لم يكن موجوداً في مالطا، بل كان في السويد برحلة عمل وقت شحن الحقيبة المفخخة.

عاد فحيمة عقب تبرئته مباشرة إلى ليبيا، حيث استُقبل في طرابلس استقبال الأبطال على المستويين الرسمي والشعبي، بصفته دليلاً حياً قدمه القضاء الغربي نفسه على براءة الدولة الليبية من الرواية الأميركية الكاملة.

إلا أن الرجل، الذي أرهقته سنوات الخوف والترقب والاعتقال، اختار وبشكل قاطع الابتعاد التام عن الأضواء والسياسة وعاش بقية حياته مواطناً عادياً بين أسرته في طرابلس، رافضاً الإدلاء بمقابلات صحافية تكشف عن أسرار تلك الحقبة، حتى جاء إعلان وفاته ونعيه رسمياً لينهي فصلاً كاملاً من كتاب الصراع الليبي – الغربي المرير.