جاري التحميل...

رسالة إلى الأخ الرئيس أبو مازن ليست استجداءً… وإنما كلمة للتاريخ والحقيقة

بقلم: د. صالح الشقباوي
أخي أبو مازن،
أكتب إليك هذه الرسالة، لا طمعاً في شيء منك، ولا استجداءً لموقع أو منصب أو امتياز، وإنما أكتبها للتاريخ، وللحقيقة، وللضمير الفلسطيني.
أكتبها لأضع العربة أمام الحصان، والكلمة أمام الحرف، والحرف أمام النقطة؛ حتى تكون الأشياء في مواضعها، وحتى لا يختلط الحق بالباطل، ولا الوفاء بالجحود.
يا أخي أبو مازن،
أريد أن أقول لك بكل وضوح: أنا لم أخن. لم أبِع وطني، ولم أبِع وطنيتي، ولم أتخلَّ عن فلسطين. بقيت فلسطينياً وما زلت فلسطينياً.
حافظت على وطنيتي كما تحافظ الملائكة على نقائها ونورها وطهارتها وقداستها أمام ربها؛ لأنها إن لامست الوحل والطين وتحولت إلى طين، فقدت ماهيتها ورسالتها. وأنا، رغم كل ما مررت به، لم أسمح لنفسي أن أتحول أو أتطين.
ولذلك فإنني لا أكتب إليك من موقع الضعف، وإنما من موقع الكرامة الوطنية والعلم والخبرة والتاريخ.
أنا أحمل شهادات أكاديمية وعسكرية أعتز بها، وأعتبرها قبل أن تكون فخراً شخصياً رصيداً فلسطينياً.
فعلى الصعيد العسكري، أنا خريج المدرسة العسكرية العليا في فيليكو ترنوفو في بلغاريا عام 1984، حيث درست أربع سنوات، وحصلت كذلك على شهادة قادة كتائب من كلية التدريب في اليمن الشقيق في عهد الرئيس علي عبد الله صالح، كما حصلت على شهادة أركان حرب من شرشال في الجزائر.
وعلى الصعيد الأكاديمي، أحمل دكتوراه في الفلسفة من جامعة الجزائر، ودكتوراه في علم الاجتماع من جامعة الجزائر.
ولم أتوقف عند الشهادات؛ فقد واصلت عملي الفكري والأكاديمي والسياسي. كتبت المقالات والدراسات الفلسفية والأكاديمية والسياسية والعلمية، وشاركت في الندوات والمؤتمرات، وظهرت في التلفزيون والصحف والإذاعات، وقدمت تحليلات سياسية وأكاديمية تقوم على الدقة والتحليل والبصيرة والاستبصار.
كل ذلك فعلته وأنا أحمل فلسطين في عقلي كما أحملها في قلبي.
لكن سؤالي إليك يا أخي أبو مازن:
أليس من المؤلم، بل من العيب، أن أُحال إلى التقاعد وأنا في الخامسة والأربعين من العمر، وأنا أحمل كل هذه المؤهلات والخبرات التي حصلت عليها من أجل فلسطين؟
هل كان ذنبي أنني كتبت مقالاً اختلفت فيه معك؟
هل أصبحت الكتابة الصريحة جريمة؟
وهل يكفي أن يقول شخص ما عني إنني «مشكلجي» أو إنني لا أصلح، حتى يصبح مستقبلي وطنيّاً ومهنياً رهناً برأيه؟
وهل أصبحت صلاحية الحكم على وطنية الإنسان وكفاءته بيد المستشارين والأشخاص؟
إنني أطرح هذه الأسئلة لا لأنتقم من أحد، ولا لأفتح دفتر حسابات شخصية، وإنما لأقول إن الدولة والحركة والثورة لا تبنى على الوشايات، وإنما على المؤسسات والمعايير والعدل.
وأذكر هنا بكل امتنان أخي سعادة السفير أبو علاء عطالله خيري، الذي حاول أكثر من مرة أن يقدم لك كتبي، وأشهد له بذلك، وأقبل جبينه وأشكره على مواقفه ومحاولاته.
لكن السؤال يبقى:
كيف يمكن لإنسان فلسطيني خدم قضية وطنه عقوداً، ويحمل هذا الرصيد العلمي والعسكري، أن يخرج بعد ستة وأربعين عاماً من العطاء وكأنه لم يفعل شيئاً؟
أليس في ذلك ظلم؟
أنا لا أطالبك بجائزة، ولا أطلب منك معروفاً.
أنا أطالب بالإنصاف.
أطالب بأن ينظر الإنسان الفلسطيني إلى تاريخه بعين العدل، وأن يُحاسب على أفعاله لا على ما قيل عنه، وعلى عطائه لا على خلافه السياسي، وعلى علمه وكفاءته لا على درجة قربه من صاحب القرار.
يا أبو مازن،
لقد اختلفنا، وربما أخطأنا وأصبنا، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يحوّل الفلسطيني إلى خصم لوطنه.
أنا لم أخرج من فلسطين، ولم أخرج من فتح، ولم أخرج من تاريخي.
أنا بقيت فلسطينياً.
وسأبقى كذلك حتى آخر لحظة من عمري.
إنني أكتب إليك اليوم لأنني أريد أن أضع هذه الكلمات أمامك وأمام التاريخ:
لم أطلب منك أن تصنع لي مجداً؛ فقد صنعتُ ما استطعتُ من مجدي بالعلم والخدمة والعمل.
لكنني أسألك فقط:
هل كان جزاء ستة وأربعين عاماً من العطاء أن أخرج بلا إنصاف، وبلا تقدير، وبلا اعتراف؟
إن التاريخ لا يحفظ المناصب فقط، بل يحفظ أيضاً كيف عاملنا أبناءنا الذين خدموا الوطن.
ولذلك أضع هذه الرسالة أمامك، لا كاستجداء، وإنما كشهادة.
شهادة رجل يقول: لم أخن، لم أبع، لم أساوم، ولم أتخلَّ عن فلسطين.
وأترك الحكم في النهاية لله، ثم لفلسطين، ثم للتاريخ.
د. صالح الشقباوي
أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع – جامعة الجزائر 2