السياسي – طرحت دمشق بصورة معلنة خيار الانضمام إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك» الذي يجمع تركيا والسعودية وباكستان، حيث قال وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني الجمعة، إن بلاده تدرس ذلك من دون اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه سوريا ضغوطا أمنية متزايدة، بالتزامن مع تصاعد التنافس التركي – الإسرائيلي حول شكل الترتيبات الأمنية في البلاد، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما يعنيه الانضمام لسوريا، ولماذا يطرح الآن، ومدى جاهزية مؤسساتها العسكرية للانخراط في تحالف من هذا النوع، وكيف يمكن أن تقرأ إسرائيل هذا التوجه وانعكاساته المحتملة على المشهد الأمني الإقليمي.
وبينما يرى محللون أن الاتفاق يمكن أن يوفر لدمشق دعما دفاعيا ورسالة ردع، ويعزز حضور تركيا في المعادلة السورية، يستبعد آخرون انضمام سوريا في المدى القريب، محذرين من أن الخطوة قد تقرأ كاصطفاف إقليمي وتدفع إلى مزيد من التصعيد.
وحول الرسائل السياسية والأمنية، لا سيما في ظل التطورات الأمنية الأخيرة وتزامنه مع القصف الإسرائيلي على الأراضي السورية، يرى الكاتب والمحلل التركي جلال دمير أن إعلان دمشق لم يكن مفاجئا، موضحا أن فكرة الانضمام كانت مطروحة بصورة ضمنية، غير معلنة، مرجحا أن يكون توقيت الإعلان مرتبطا، بصورة أو بأخرى، بتزامنه مع القصف الإسرائيلي على الأراضي السورية.
ويشير إلى أن السعودية وتركيا تمثلان بطبيعة الحال أبرز حلفاء سوريا، ولذلك فإن وجودهما في الاتفاق يمنح دمشق، بصورة غير مباشرة، موقعا ضمن هذه الترتيبات. ويقر المتحدث في الوقت ذاته بأن للانضمام بعض السلبيات بالنسبة إلى سوريا، لكنه يرى أن إيجابياته ستكون، في المحصلة، أكبر من سلبياته.
وعن المكاسب التي يمكن أن تحققها دمشق، يوضح أن سوريا تريد، في المقام الأول، توجيه رسالة إلى خصومها مفادها أنها تمتلك أصدقاء وحلفاء أقوياء، مثل تركيا وباكستان والسعودية، معتبرا أن هذه الرسالة تمثل أحد أبرز الأهداف التي تسعى دمشق إلى إيصالها من خلال إعلانها دراسة الانضمام إلى الاتفاق.
وعلى المستوى العسكري، يضيف دمير أن سوريا، بوصفها دولة ناشئة، تحتاج إلى دعم دفاعي وعسكري، مشيرا إلى أن معظم الدول الأوروبية ودول الشرق الأوسط تتراجع في المرحلة الحالية عن تقديم هذا النوع من الدعم إلى دمشق.
ويرى أن الانضمام إلى الاتفاق يمكن أن يفتح أمام سوريا مجالا للحصول على أسلحة ثقيلة، وهو ما يعد، حسب تقديره، من الجوانب الإيجابية المهمة للخطوة.
أما بالنسبة إلى تركيا، فيرى دمير أن أنقرة كانت موجودة بصورة ضمنية في هذا الترتيب، ولذلك فإن انضمام سوريا إلى الاتفاق سيكون إيجابيا بالنسبة إليها.
ويوضح أن وجود سوريا ضمن الاتفاق يمكن أن يعزز الحضور التركي في أي نقاش أو تطور يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، كما يمكن أن يجعل التعاون بين القوات التركية والسورية أكثر فاعلية، ولا سيما على المستوى العسكري.
ويؤكد أن تركيا، لهذا السبب، ستكون راغبة في أن تكون سوريا جزءا من الاتفاق، معتبرا أن وجود دمشق فيه سيعزز الموقف التركي، ولا سيما في أي نقاش أو تطور يتعلق بالترتيبات الأمنية في المنطقة.
وفي المقابل، يستبعد دمير أن تنظر إسرائيل بإيجابية إلى احتمال انضمام سوريا إلى الاتفاق، معتبرا أن لديها أسبابا عديدة تدفعها إلى رفض هذه الخطوة، في مقدمتها «استمرار نظرها إلى سوريا باعتبارها أحد مصادر الخطر القريبة منها».
ويخلص إلى أن «تحول سوريا إلى دولة أكثر قوة، تمتلك أسلحة ثقيلة وتحظى بدعم دولي وتتمتع بقدرات عسكرية أكبر، لن يكون وضعا ترغب إسرائيل في رؤيته، خصوصا إذا جاء ذلك في إطار اتفاق دفاعي يضم تركيا والسعودية وباكستان».
وبخلاف القراءة التي يقدمها دمير، والذي يرى في انضمام سوريا المحتمل إلى الاتفاق الدفاعي مكاسب أمنية وسياسية، وتعزيز للقدرات السورية الدفاعية، يستبعد الكاتب والمحلل السياسي السوري درويش خليفة، انضمام دمشق إلى الاتفاق في الوقت الراهن، معتبرا أن طرح الخارجية السورية يجب أن يقرأ كخيار استراتيجي قيد الدراسة، وليس قرارا وشيكا. ويرى أن أهمية الطرح الذي تقدمت به الخارجية السورية ودراسة هذا الخيار من قبل الجهات المعنية، لا تعني بالضرورة أن دمشق تتجه إلى الانضمام في المرحلة الحالية. ويعزو ذلك إلى «طبيعة القدرات العسكرية التي يقوم عليها الاتفاق»، موضحا أن «التحالف الذي تقوده الترويكا المتمثلة بالسعودية وتركيا وباكستان يستند إلى قدرات دفاعية متكاملة، إذ تمتلك تركيا قاعدة متقدمة في الصناعات العسكرية، بينما تمثل باكستان قوة نووية، في حين تتمتع السعودية بأكبر ميزانية دفاعية في المنطقة». في المقابل، لا تزال سوريا، بجيشها ومؤسساتها الدفاعية، في مرحلة إعادة بناء بعد حرب استمرت نحو أربعة عشر عاما، وبالتالي فهي ليست «مهيأة بعد للدخول في تحالف دفاعي إقليمي بهذا الحجم».
وإزاء التداعيات السياسية والإقليمية، خصوصا في ظل حساسية موقع سوريا وتداخل مصالح القوى الفاعلة فيها، يشير خليفة إلى بعد جيوسياسي، إذ قد «يقرأ انضمام سوريا إلى التحالف باعتباره اصطفافا إقليميا في مواجهة أطراف محددة، ولا سيما إيران وإسرائيل».
ويرى أن ذلك قد يدفع إسرائيل، التي تنفذ بالفعل اعتداءات متكررة داخل الأراضي السورية، إلى النظر إلى الخطوة باعتبارها» تطورا استفزازيا، وربما يؤدي إلى مزيد من التصعيد والضربات العسكرية، فضلا عن استخدام الساحة السورية لإرسال رسائل غير مباشرة إلى تركيا».
وفي سياق أوسع، لا يستبعد خليفة توسع التحالف مستقبلا ليشمل دولا عربية أخرى، خصوصا مصر والأردن، وهما دولتان ترتبطان باتفاقيات سلام مع إسرائيل. لكنه يرى أن الظروف الإقليمية الحالية، في ظل التصعيد الذي تقوده حكومة بنيامين نتنياهو على أكثر من جبهة، من سوريا ولبنان إلى غزة، قد تدفع هذه الدول إلى التريث وعدم اتخاذ خطوات استراتيجية سريعة.
وبناء على ذلك، أشار خليفة إلى مجموعة من العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية التي ستحدد مستقبلا ما إذا كانت دمشق ستنتقل من مرحلة دراسة الفكرة إلى مرحلة الانضمام الفعلي.
ويختم بأن الأولوية بالنسبة إلى سوريا في هذه المرحلة الانتقالية تتمثل في إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية وترسيخ استقرارها الداخلي، قبل الدخول في ترتيبات دفاعية إقليمية قد تضعها مباشرة في قلب الاستقطابات والصراعات القائمة في المنطقة.