إسحاق بريك يكتب في “معاريف”
على مدى مئات السنين، دارت صراعات دامية بين تركيا ومصر وبلاد ما بين النهرين (العراق وجزء من إيران) من أجل السيطرة على بلاد الشام (سوريا ولبنان وإسرائيل والأردن وسيناء). وهذه المنطقة، التي تقع إسرائيل في مركزها، شكّلت «قلب العالم القديم»، وتميزت بأهمية استراتيجية واقتصادية وجيوسياسية هائلة.
فقد كانت مفترق طرق استراتيجيًا وممرًا بريًا؛ إذ ربطت بلاد الشام بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، وكانت السيطرة عليها شرطًا ضروريًا للتحكم في طرق التجارة والاقتصاد. كما سيطرت بلاد الشام على طرق البخور والحرير البرية الممتدة من الخليج الفارسي إلى البحر المتوسط، ووفرت لبلاد ما بين النهرين منفذًا بحريًا بالغ الأهمية إلى أوروبا وشمال أفريقيا عبر موانئ رئيسية مثل عكا وبيروت وطرابلس.
التحول المزلزل: توحيد الصفوف ضد إسرائيل
نشهد في الآونة الأخيرة تحولًا جذريًا لم يحدث مثله منذ مئات السنين: تلك القوى المتنافسة تاريخيًا غيرت اتجاهها 180 درجة. فبدلًا من أن تحارب بعضها بعضًا، تتوحد بهدف إسقاط عدو مشترك هو دولة إسرائيل، التي تنظر إليها باعتبارها تهديدًا إقليميًا شاملًا.
تسعى تركيا إلى استعادة مكانتها باعتبارها قوة إقليمية اقتصادية وعسكرية. وقد دعمت إسقاط بشار الأسد والاستيلاء على سوريا، وحولتها إلى دولة تابعة لها، ونشرت فيها جيشًا بالقرب من الحدود الإسرائيلية في هضبة الجولان، وفي الوقت نفسه تعيد بناء الجيش السوري ليكون رأس الحربة في حرب مستقبلية ضد إسرائيل.
ووقعت تركيا تحالفًا استراتيجيًا مع السعودية وباكستان، التي تمتلك أسلحة نووية، كما ضمت مصر إليه، وتعمل على تعزيز الجيش المصري بالصواريخ والطائرات المسيّرة والطائرات والدبابات.
وتتمثل الرؤية التركية في ضم جميع الدول الإسلامية إلى تحالف مناهض لإسرائيل، وهي عملية ترافقها بالفعل مناورات عسكرية مشتركة هدفها الأساسي إضعاف إسرائيل إلى حد إزاحتها من منطقة الشرق الأوسط باعتبارها عاملًا يهدد الدول الإسلامية.
هشاشة استراتيجية، وتفكك داخلي، وإهمال سياسي
تجري هذه العملية بالتوازي مع تآكل مكانة إسرائيل الدولية، وتعاظم عزلتها، والفقدان التدريجي لتحالفات تاريخية بالغة الأهمية.
أما ضعف التحالف مع الولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب تتحرك انطلاقًا من المصالح الأميركية وحدها. ويدعم ترامب طموحات تركيا إلى أن تصبح ركيزة استراتيجية إقليمية، ويسعى إلى اتفاق مع إيران يسمح لها بمواصلة إنتاج الصواريخ الباليستية ودعم وكلائها، ولا يقدم حلًا حقيقيًا لمشكلة البرنامج النووي الإيراني، وبذلك يترك إسرائيل لمصيرها في بيئة معادية.
كما تعاني إسرائيل من فقدان دعم كثير من أصدقائها في أوروبا والعالم. ويضاف إلى ذلك تفكك الصمود الوطني؛ فالانقسامات الداخلية العميقة بين المتدينين والعلمانيين، واليمين واليسار، واليهود والعرب، تولّد كراهية متقدة تحول دون التعاون وتهدد وجود الدولة ذاته. أما المستويات السياسية والعسكرية والجمهور، فهي غارقة في إدارة الشؤون اليومية ولا تستعد إطلاقًا للتحديات الوجودية التي تقف على الأبواب.
وعلى خلفية هذا الزلزال الاستراتيجي والواقع الوجودي المعقد، تقف إسرائيل أمام نقطة تحول حاسمة لم يعد معها ممكنًا الاكتفاء بإدارة الأمور اليومية أو الاعتماد على التصورات القديمة. ولمنع الكارثة المقبلة وضمان مستقبل الدولة، ينبغي اتخاذ سلسلة عاجلة من الخطوات الجذرية على عدد من المستويات الرئيسية.
توحيد الصفوف وتغيير القيادة: الخطوة الأكثر إلحاحًا هي إعادة بناء الصمود الوطني من الداخل. يجب وقف الكراهية القبلية والصراعات الداخلية بين مختلف القطاعات، والعمل على إيجاد قيادة شجاعة ومسؤولة وصاحبة رؤية، تضع المصالح العليا للدولة فوق كل اعتبار سياسي أو فئوي.
وفي ضوء تنامي قوة المحاور الإقليمية من حولنا، وإدراك أنه لم يعد ممكنًا الاعتماد حصريًا على القوى الأجنبية، يجب إعادة بناء قوة القوات البرية والجوية والبحرية، مع التركيز على التطوير السريع لتكنولوجيات رائدة وإدخالها الخدمة، مثل الليزر عالي القدرة والطائرات المسيّرة وسلاح الصواريخ وغيرها. وينبغي أن يكون الجيش مستعدًا لحرب شاملة على عدة جبهات في وقت واحد، في مواجهة تهديدات تقليدية وغير تقليدية.
وعلى إسرائيل أن تصوغ مفهومًا جديدًا للأمن القومي، لا يقوم بعد الآن على افتراض أن الحلفاء سيديرون المعركة نيابة عنها أو سيكبحون التهديدات الوجودية بدلًا منها. المطلوب تخطيط طويل الأمد يجمع بين رؤية سياسية وقوة اقتصادية متينة، بهدف ضمان قدرة الدولة على البقاء في مواجهة بيئة معادية تتغير باستمرار.
وعلى إسرائيل إعادة بناء علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وتوسيع تحالفاتها مع الدول العربية. فباعتبارها كيانًا صغيرًا محاطًا ببيئة معادية ومحدودًا في موارده الاقتصادية والبشرية، فإن علاقاتها الوثيقة بقوة عظمى مثل الولايات المتحدة تظل ذات أهمية لا تُقدّر بثمن لضمان بقائها.