السياسي – كشف تحقيق لصحيفة “الغارديان” البريطانية أن خبراء في حقوق الإنسان حذروا من احتمال تورط ست شركات عالمية متخصصة في معدات البناء في المساعدة على ارتكاب جرائم حرب، بعد ظهور أدلة مصورة توثق استخدام الجيش الإسرائيلي حفارات وجرافات من إنتاجها في عمليات هدم واسعة النطاق داخل قرى جنوب لبنان.
وأظهرت صور ومقاطع فيديو تحققت منها الصحيفة عبر تحديد المواقع الجغرافية استخدام الجيش الإسرائيلي معدات تابعة لشركات “كاتربيلر”، و”فولفو”، و”هيونداي”، و”دوسان”، و”هيتاشي”، و”كوماتسو”، في تدمير منازل ومرافق عامة ومتاجر ومنشآت مدنية مختلفة.
وبحسب التحقيق، سوّت دولة الاحتلال قرى بأكملها بالأرض داخل ما يعرف باسم “الخط الأصفر”، وهي منطقة تبلغ مساحتها 608 كيلومترات مربعة تسيطر عليها تل أبيب على طول الحدود اللبنانية.
أظهرت صور التقطتها وكالة “أسوشيتد برس” في 12 و15 أبريل داخل بلدة ميس الجبل الحدودية وجود حفارات تابعة للشركات الست وسط مناطق مدمرة، إضافة إلى معدات من إنتاج هيونداي وكاتربيلر وكوماتسو أثناء تنفيذ عمليات هدم مباشرة.
كما وثقت مقاطع فيديو من بلدتي الناقورة ودبل استخدام الجيش الإسرائيلي حفارات أجنبية الصنع لتدمير المنازل والبنية التحتية.
وسجلت كاميرات مراقبة في دبل استخدام حفارة من طراز فولفو في تدمير ألواح الطاقة الشمسية وشبكة المياه، التي تمثل مصدراً رئيسياً للكهرباء والمياه لسكان البلدة المحاصرة.
وحذر خبراء حقوق الإنسان من أن استمرار تزويد دولة الاحتلال بمعدات تستخدم في عمليات الهدم قد يجعل الشركات المصنعة متواطئة في جرائم حرب، وربما يعرض مسؤوليها لملاحقات قانونية.
وقال مارك دوميت، نائب مدير البرنامج ورئيس قسم الأعمال والأمن وحقوق الإنسان في منظمة العفو الدولية، إن الشركات التي تساهم أنشطتها في انتهاكات خطيرة للقانون الدولي، مثل التدمير الواسع للممتلكات المدنية، قد تعرض نفسها ومديريها لخطر الملاحقة بتهمة التواطؤ في جرائم حرب.
وأضاف أن السجل الإسرائيلي الطويل في استخدام الحفارات العسكرية والمدنية لتنفيذ عمليات هدم في الضفة الغربية كان ينبغي أن يدفع الشركات إلى مراجعة مخاطر استمرار تزويدها بالمعدات.
وأشار إلى أن أي إجراءات جدية للعناية الواجبة بحقوق الإنسان كان يفترض أن تكشف احتمال استخدام هذه الآلات في انتهاكات، وأن تدفع الشركات لاتخاذ إجراءات تمنع تورط منتجاتها.
على مدى عقود استخدم الجيش الإسرائيلي حفارات أجنبية الصنع في عمليات هدم منازل فلسطينية، في ظروف اعتبرتها منظمات حقوقية أنها قد تصل إلى التهجير القسري وجرائم الحرب.
وتعرضت شركة كاتربيلر خصوصاً لانتقادات متكررة، كان آخرها بعد تصويت أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين الأمريكيين في أبريل ضد صفقة بيع جرافات “D9” لإسرائيل بقيمة 295 مليون دولار.
واشتهرت جرافة كاتربيلر D9 المدرعة باستخدام الجيش الإسرائيلي لها في هدم المنازل، كما ارتبط اسمها بمقتل الناشطة الأمريكية راشيل كوري التي دهستها جرافة إسرائيلية عام 2003 في غزة.
وأدرج تقرير للمقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز أربعاً من الشركات الست المذكورة، باستثناء هيتاشي وكوماتسو، ضمن شركات قالت إنها تستفيد من عمليات تهجير الفلسطينيين.
ورغم الانتقادات، أبرمت بعض الشركات صفقات جديدة لتزويد جيش الاحتلال الإسرائيلي بالمعدات، في وقت تستخدم فيه هذه الآليات حالياً في عمليات تدمير واسعة بقرى جنوب لبنان.
ووفق صحيفة “هآرتس”، يعتمد الجيش الإسرائيلي في بعض عمليات الهدم على مقاولين مدنيين يجلبون معداتهم الخاصة، ويحصل بعضهم على أجور مرتبطة بعدد المباني التي يتم تدميرها.
وأكد خبراء أن بيع المعدات تجارياً داخل دولة الاحتلال لا يعفي الشركات من المسؤولية، لأن الجيش يستخدم مقاولين مدنيين، ما يعني أن أي حفارة أو جرافة مصدّرة يمكن أن تستخدم لاحقاً في عمليات الهدم.
وقالت شركات فولفو وكوماتسو وهيتاشي وشركة HD Construction Equipment المشغلة لعلامة هيونداي إن لديها سياسات داخلية لاحترام حقوق الإنسان، لكنها أشارت إلى محدودية قدرتها على التحكم بطريقة استخدام المنتجات بعد بيعها.
وقال المحامي الدولي الريم كمال، المتخصص في مساءلة الشركات، إن الاستخدام المتكرر والموثق للمعدات ذاتها في مناطق مثل غزة يعني أن الشركات لا يمكنها الادعاء بأنها لم تكن على علم بالمخاطر.
وأضاف أن “الضرر متوقع، والشركات تتحمل مسؤولية اتخاذ الإجراءات المناسبة، وعدم القيام بذلك قد يعرضها لعواقب قانونية ومالية ويؤثر على سمعتها”.
وتشير مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان إلى مسؤولية الشركات في تجنب المساهمة في الانتهاكات أو تسهيلها عبر منتجاتها.
ورغم أن هذه المبادئ غير ملزمة، فإن خبراء يؤكدون أن الاتجاه العالمي يسير نحو زيادة محاسبة الشركات ومسؤوليها عن أي دور محتمل في انتهاكات وجرائم ترتكب بمناطق النزاع.







