جاري التحميل...

شقبا… ليست مجرد مكان، بل ذاكرة وهوية

دكتور اه علم الاجتماع
دكتور اه الفلسفة المعاصرة
من جامعة الجزائر 2

ليست شقبا مجرد قرية على خارطة فلسطين، وليست اسمًا يمر في كتب الجغرافيا أو التاريخ مرورًا عابرًا، بل هي فضاء حضاري تختزن في صخورها وأوديتها وزيتونها شواهد الإنسان الأولى، وتحمل في ذاكرتها روايات المكان قبل أن تُكتب الحكايات على الورق. فمن كهوفها خرجت دلائل علمية وأثرية جعلت اسمها حاضرًا في الدراسات الأكاديمية التي تناولت بدايات الإنسان وتطوره، وفيها تتداخل الأسئلة الكبرى حول الأصل، والهجرة، والاستقرار، والهوية.
شقبا تعرف نفسها، لأنها لم تُبنَ على رواية عابرة، بل على تراكم تاريخي طويل. تعرف أبناءها الذين حملوا علمهم بجدارة، ونالوا شهاداتهم بالاجتهاد والبحث، كما تعرف أولئك الذين صنعوا لأنفسهم ألقابًا لا يسندها علم ولا تاريخ. فالمكان، مهما طال الزمن، يبقى أصدق شاهد على أصحابه، ولا يخدع ذاكرته بريق المناصب أو ضجيج الشعارات.
ولأن شقبا تمتلك ذاكرة عميقة، فهي تميز بين من نما طبيعيًا من جذور الأرض والفكر، وبين من تضخم بفعل المصالح والولاءات. فالشجرة التي تنمو بقوة جذورها لا تحتاج إلى سمادٍ مصطنع لتثبت وجودها، أما النمو الزائف فلا يصمد أمام أول اختبار. والتاريخ لا يخلد إلا من صنع أثرًا حقيقيًا، لا من صنع لنفسه صورة مؤقتة.
إن قيمة الإنسان لا تقاس بما يجلس عليه من كرسي، وإنما بما يتركه من أثر في مجتمعه. فالكراسي تتبدل، والسلطات تتغير، أما المعرفة والصدق والنضال الحقيقي فتبقى. لذلك فإن المكان يحفظ أسماء من خدموه بإخلاص، كما ينسى من تعامل معه باعتباره وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية.
وفي الفلسفة، تحدث هربرت ماركوز عن “الإنسان ذو البعد الواحد”، ذلك الإنسان الذي يفقد استقلاله الفكري ويصبح أسيرًا لإيقاع الآخرين، يردد ما يُطلب منه دون أن يمتلك مشروعًا أو رؤية خاصة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الإنسان الحر هو الذي يصنع موقفه بعقله، ويحمل مسؤوليته بنفسه، ولا يسمح للآخرين بأن يحددوا له قيمته أو مساره.
أما أسطورة سيزيف، التي صاغها الإغريق، فتذكرنا بعبثية الجهد عندما يُفرض على الإنسان أن يحمل صخرة إلى قمة الجبل لتعود وتهوي في كل مرة، فيكرر الفعل بلا نهاية. وهي صورة ترمز إلى الصراع المستمر بين الإنسان والواقع، وإلى أن القيمة ليست في حمل الصخرة وحده، بل في امتلاك معنى لما يقوم به الإنسان، وفي أن يكون جهده نابعًا من قناعة لا من إملاءات الآخرين.
لقد بقيت شقبا، رغم تقلبات الزمن، وفية لهويتها الفلسطينية، شاهدة على محطات تاريخية متعاقبة، وعلى أحداث تركت آثارها في الأرض والناس. وهي لا تحتاج إلى من يمنحها قيمتها، لأنها تستمد مكانتها من تاريخها، ومن إنسانها، ومن قدرتها على البقاء.
وأنا، كما كنت، لم أتبدل مع تبدل المواقع ولا مع تغير المصالح. أؤمن بأن الإنسان الحقيقي هو الذي يبقى ثابتًا على مبادئه، ويستند إلى علمه وتاريخه ونضاله، لا إلى كرسي زائل أو نفوذ مؤقت. فالمكان يحترم الصادقين، والتاريخ لا ينصف إلا من صنعوا مجدهم بأيديهم، لا من صنعه لهم الآخرون.
وفي النهاية، تبقى شقبا أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، لأنها ذاكرة وطن، وحكاية إنسان، وشاهدٌ على أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وأن الجذور العميقة لا تقتلعها رياح السياسة ولا صخب الادعاءات.