فيما يلي النص الكامل للمقابلة التي اجراها سالم غنيم مع عضو المجلس التشريعي ورئيس تيار الاصلاح الديمقراطي حيث فتح القيادي الفلسطيني عدة ملفات واجاب على تساؤلات تشغل الشارع الفلسطيني ووضع النقاط على الحروف في عدة مفاصل متحدثا عن الاصلاح وحركة فتح ومستقبلها:
سالم غنيم
أهلاً بكم في حلقة جديدة.
ضيفنا اليوم شخصية فلسطينية شغلت مواقع متقدمة في حركة فتح، وعاشت تفاصيل المشهد الفلسطيني من داخله، خصوصاً في قطاع غزة، ثم انتقلت من موقع القيادة داخل الحركة إلى موقع المعارضة والإصلاح، وأصبحت رئيساً لتيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح.
ضيفنا هو الأخ محمد دحلان، أبو فادي.
أبو فادي،
أهلاً بك.
محمد دحلان:
أهلاً وسهلاً بكم، وشكراً على هذه الفرصة. أنا أؤمن أن الحوار، مهما كانت الاختلافات،
هو الطريق الطبيعي لفهم بعضنا بعضاً،
وأن فلسطين أكبر من الأشخاص والتنظيمات، وأن مصلحتها يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.
سالم:
دعني أبدأ من الفكرة التي أعتقد أنها الأكثر حضوراً في مشروعك السياسي اليوم: الإصلاح.
أنت لم تطرح نفسك فقط باعتبارك معارضاً لقيادة حركة فتح الحالية،
وإنما تحدثت عن إصلاح سياسي شامل، وعن شراكة وانتخابات وسيادة للقانون.
ماذا تعني لك كلمة الإصلاح؟
محمد دحلان:
الإصلاح بالنسبة لي ليس تصفية حسابات،
وليس تغيير شخص بشخص.
الإصلاح يعني أن نعيد الاعتبار للمؤسسة،
ولإرادة الشعب، وللديمقراطية، وللانتخابات،
وللشراكة الوطنية.
نحن بحاجة إلى أن يشعر المواطن الفلسطيني أن صوته له قيمة،
وأن المؤسسات موجودة لخدمته،
وأن القيادة تستمد شرعيتها من الشعب وليس من البقاء الطويل في الموقع.
أنا أعتقد أن المشكلة الفلسطينية اليوم ليست نقصاً في الرجال والنساء القادرين على القيادة،
وإنما المشكلة في النظام السياسي الذي لم يعد قادراً على إنتاج قيادة جديدة بصورة طبيعية.
سالم:
وهنا أريد أن أشيد بنقطة أراها مهمة في مشروع تيار الإصلاح: أنكم تتحدثون عن الإصلاح باعتباره مشروعاً للمستقبل وليس مجرد خصومة مع محمود عباس.
هل هذا هو جوهر الفكرة؟
محمد دحلان:
بالتأكيد.
أنا لدي خلاف سياسي مع الرئيس أبو مازن،
وهذا الخلاف معروف، لكنه ليس القضية الأساسية.
القضية أكبر من محمد دحلان وأكبر من محمود عباس.
نحن نتحدث عن شعب يريد أن يرى مستقبله، وشباباً يريدون المشاركة، ومؤسسات تحتاج إلى إعادة بناء،
وحركة وطنية تحتاج إلى استعادة ثقة الناس.
إذا اختزلنا الإصلاح في شخصي،
نكون قد أسأنا إلى فكرة الإصلاح نفسها.
سالم :
لكن كثيرين يرون أن تيار الإصلاح حافظ على حضوره رغم سنوات طويلة من الإقصاء،
وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الفكرة تجاوزت صاحبها.
كيف استطاع التيار أن يبقى؟
محمد دحلان:
لأننا لم نبنِ التيار على شخص.
بنينا شبكة من الناس، من أبناء فتح، ومن الشباب والمرأة، ومن الشخصيات الاجتماعية والوطنية.
قد يختلف الناس معنا، وقد ينتقدوننا، وهذا حقهم، لكنهم يرون أن هناك مشروعاً يقول لهم: أنتم أصحاب القرار.
وهذا بالنسبة لي أهم من أي موقع تنظيمي.
سالم:
دعنا نذهب إلى فتح.
فتح كانت دائماً عنواناً للحركة الوطنية الفلسطينية، لكنها اليوم تعاني من انقسامات داخلية وأزمة ثقة.
هل تستطيع فتح أن تستعيد دورها التاريخي من دون إصلاح جذري؟
محمد دحلان:
لا أعتقد ذلك.
فتح لا تحتاج إلى أن تعيش على تاريخها فقط.
تاريخ فتح عظيم، ونحن نفتخر به، لكن التاريخ لا يكفي لصناعة المستقبل.
فتح بحاجة إلى تجديد حقيقي، وإلى إعادة الاعتبار للمؤتمر العام، وإلى انتخابات داخلية حقيقية، وإلى فتح المجال أمام الشباب، وإلى إنهاء ثقافة الإقصاء.
وأنا أقول دائماً إن فتح ليست ملكاً لشخص، ولا ملكاً للجنة مركزية، ولا ملكاً لمجموعة من القيادات.
فتح ملك لأبنائها.
سالم:
وهل تعتقد أن المصالحة داخل فتح أصبحت ممكنة؟
خصوصاً أن لقاءات جرت أخيراً بين تيار الإصلاح الديمقراطي وقيادات من فتح الرسمية في مصر للبحث في توحيد الحركة وترتيب البيت الفلسطيني.
محمد دحلان:
أنا أرحب بكل لقاء فلسطيني، وخاصة إذا كان هدفه إنهاء الانقسام.
نحن لسنا ضد فتح، نحن جزء من تاريخها، وأبناؤنا أبناء فتح.
الخلاف كان مع طريقة إدارة الحركة، ومع الإقصاء، ومع تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية.
إذا كان هناك استعداد حقيقي لإعادة بناء فتح على أساس الشراكة والانتخابات، فنحن جاهزون.
لا نريد فتح ضعيفة، نريد فتح قوية وموحدة وديمقراطية.
سالم:
لكن دعني أذهب إلى السؤال الأصعب.
ماذا بعد محمود عباس؟
هل فلسطين بحاجة إلى شخص جديد في موقع الرئيس، أم أنها بحاجة إلى نظام سياسي جديد بالكامل؟
محمد دحلان:
أنا أعتقد أننا بحاجة إلى الاثنين معاً.
تغيير الأشخاص من دون تغيير النظام سيعيد إنتاج المشكلة.
نحن بحاجة إلى نظام سياسي تكون فيه المؤسسات أقوى من الأشخاص، والقانون أقوى من الفرد، والانتخابات هي مصدر الشرعية.
الرئيس يجب أن يكون جزءاً من منظومة سياسية، وليس المنظومة كلها.
وأنا مع أن يقرر الشعب الفلسطيني من يقوده.
سالم:
إذن، هل محمد دحلان مرشح لقيادة المرحلة المقبلة؟
محمد دحلان:
أنا لا أتعامل مع السياسة باعتبارها طموحاً شخصياً.
إذا كان الشعب الفلسطيني يريدني، فهذا أمر آخر.
أنا لا أستطيع أن أفرض نفسي على الشعب الفلسطيني.
إذا جاءت انتخابات حرة ونزيهة، وقرر الناس أن محمد دحلان هو الشخص المناسب، سأتحمل المسؤولية.
وإذا اختاروا شخصاً آخر، سأحترم قرارهم.
المهم أن يكون القرار قرار الشعب.
سالم:
لكن بصراحة، أبو فادي، أنت اليوم أحد الأسماء الأكثر حضوراً عندما يجري الحديث عن القيادة الفلسطينية المقبلة.
محمد دحلان:
هذا تقدير الناس، وأنا أحترمه، لكنني لا أريد أن أسبق الأحداث.
هناك فرق بين أن تكون لديك رؤية سياسية وبين أن تقول إنك حصلت على تفويض.
التفويض لا يأتي من الإعلام ولا من العواصم العربية ولا من العلاقات الدولية.
التفويض يأتي من الشعب الفلسطيني.
سالم:
أعتقد أن هذه نقطة مهمة جداً.
دعنا ننتقل إلى غزة.
أنت ابن غزة، وعشت فيها سنوات طويلة، وكنت أحد أبرز مسؤوليها السياسيين والأمنيين.
غزة اليوم مدمرة، وأهلها دفعوا ثمناً هائلاً.
كيف ترى مستقبلها؟
محمد دحلان:
غزة تحتاج أولاً إلى أن تعيش.
قبل السياسة هناك الإنسان.
نريد وقفاً دائماً للحرب، وإعادة الإعمار، وإعادة الحياة إلى الناس، وفتح المدارس والمستشفيات، وإعادة بناء البيوت والبنية التحتية.
بعد ذلك يجب أن يكون هناك ترتيب سياسي.
وأنا أرفض أن تُحكم غزة بمنطق الغلبة أو الانتقام.
غزة جزء من فلسطين، وليست كياناً منفصلاً.
سالم:
وهنا يأتي السؤال الأكثر حساسية.
كنت في الماضي أحد أبرز خصوم حماس، واليوم أصبح هناك تواصل بين تيار الإصلاح وحماس.
بل جرت لقاءات أخيراً مع وفد برئاسة خليل الحية لبحث وقف إطلاق النار وترتيب البيت الفلسطيني.
كيف يمكن أن يلتقي خصمان كان بينهما تاريخ طويل من الصراع؟
محمد دحلان:
السياسة ليست انتقاماً.
أنا اختلفت مع حماس، وما زالت لدي خلافات سياسية معها، لكنني لا أستطيع أن أتعامل مع ملايين الفلسطينيين الذين يؤيدون حماس باعتبارهم خارج الشعب الفلسطيني.
نحن بحاجة إلى أن نختلف من دون أن نقتتل.
وإذا كانت هناك فرصة لإنقاذ غزة، وحماية الشعب، وإنهاء الانقسام، فعلينا أن نذهب إليها.
لا أحد يستطيع إلغاء الآخر.
سالم:
هل يمكن أن نصل إلى حكومة فلسطينية واحدة تضم الجميع؟
محمد دحلان:
إذا توفرت الإرادة السياسية، نعم.
أنا أؤمن بأن الفلسطينيين يجب أن يجلسوا إلى طاولة واحدة.
فتح، حماس، اليسار، المستقلون، وكل القوى الفلسطينية.
ليس مطلوباً أن نتفق في كل شيء.
المطلوب أن نتفق على قواعد اللعبة.
انتخابات، قانون، مؤسسات، شراكة، وسلاح تحت سلطة وطنية واحدة.
سالم:
أنت تتحدث كثيراً عن الانتخابات.
هل ترى أن الانتخابات هي المخرج الحقيقي من الأزمة الفلسطينية؟
محمد دحلان:
هي ليست المخرج الوحيد، لكنها بداية ضرورية.
الشعب الفلسطيني لم يفقد القدرة على الاختيار.
الذي فقدناه هو الفرصة.
أعطوا الناس صناديق الاقتراع، ودعوا الشعب يختار.
أنا أقبل بالنتيجة أياً كانت.
سالم:
وماذا عن منظمة التحرير الفلسطينية؟
هل تحتاج إلى إصلاح أيضاً؟
محمد دحلان:
بالتأكيد.
منظمة التحرير هي البيت الوطني الجامع، ويجب أن تستعيد دورها.
لا يمكن أن تبقى منظمة التحرير بعيدة عن قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني.
نحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها على أساس المشاركة، وإلى إدخال القوى الفلسطينية المختلفة ضمن إطار وطني جامع.
المنظمة يجب أن تكون ملكاً للشعب الفلسطيني كله.
سالم:
وماذا عن الشتات الفلسطيني؟
هناك ملايين الفلسطينيين خارج فلسطين، وكثير منهم يشعر أن صوته غائب عن القرار.
محمد دحلان:
وهذا غير مقبول.
الفلسطيني في المخيم، وفي الأردن، ولبنان، وسوريا، وأوروبا، والأمريكتين، وفي كل مكان، له حق في المشاركة.
القضية الفلسطينية ليست قضية جغرافيا فقط.
هي قضية شعب.
سالم:
هناك سؤال آخر حول وجودك في الإمارات.
البعض يقول إن إقامتك هناك جعلتك أقرب إلى دوائر عربية وإقليمية ودولية واسعة، وإن هذا أعطاك قدرة على الحركة السياسية لا يمتلكها كثير من القيادات الفلسطينية.
كيف تنظر إلى هذه العلاقة؟
محمد دحلان:
الإمارات استضافتني، وأنا أقدر لها ذلك.
لكن علاقاتي العربية والدولية ليست بديلاً عن العلاقة مع الشعب الفلسطيني.
أنا أستخدم كل علاقة أستطيع استخدامها لخدمة الفلسطينيين.
إذا استطعت أن أفتح باباً للمساعدة، سأفتحه.
إذا استطعت أن أوقف كارثة، سأحاول.
السياسة في النهاية يجب أن تخدم الناس.
سالم:
هل تعتقد أن العرب يستطيعون أن يلعبوا دوراً أكبر في إعادة بناء البيت الفلسطيني؟
محمد دحلان:
نعم.
العرب ليسوا غرباء عن القضية الفلسطينية.
لكنني أريد دوراً عربياً يساعد الفلسطينيين على الاتفاق، وليس دوراً يفرض عليهم وصاية.
نحن نحتاج إلى دعم عربي، وإلى إعادة إعمار، وإلى حماية سياسية، لكن القرار النهائي يجب أن يكون فلسطينياً.
سالم:
أبو فادي، هناك من يعتقد أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحالفات جديدة، وأن تيار الإصلاح يمكن أن يكون جزءاً من تحالف فلسطيني واسع.
هل تعملون فعلاً على ذلك؟
محمد دحلان:
نحن نعمل من أجل شراكة وطنية.
إذا كان المقصود تحالفاً انتخابياً، فهذا يقرره الواقع والبرامج والانتخابات.
لكننا من حيث المبدأ لا نريد أن نبقى أسرى الانقسامات القديمة.
فلسطين تحتاج إلى تحالف واسع حول برنامج وطني واضح.
سالم:
لو أصبحت في موقع المسؤولية غداً، ما أول ثلاثة أشياء ستفعلها؟
محمد دحلان:
أولاً: توحيد المؤسسات الفلسطينية وإنهاء الانقسام.
ثانياً: إطلاق عملية إعادة إعمار شاملة لغزة والضفة.
ثالثاً: الذهاب إلى انتخابات حرة ونزيهة وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير والسلطة على أساس الشرعية الشعبية.
وأضيف إليها شيئاً رابعاً: محاربة الفساد.
لا يمكن أن نبني دولة من دون محاسبة وشفافية.
سالم:
هل أنت مستعد للمحاسبة على تجربتك السابقة؟
محمد دحلان:
كل سياسي يجب أن يكون مستعداً للمحاسبة.
أنا لا أطالب الآخرين بما لا أقبله لنفسي.
إذا كانت هناك أخطاء، يجب أن تُناقش.
إذا كانت هناك اتهامات، يجب أن يكون هناك قانون وقضاء.
لكنني أرفض أن تتحول الاتهامات السياسية إلى أحكام نهائية من دون محاكمة أو دليل.
سالم:
وأنت تعلم أن هناك فلسطينيين ينتقدون تجربتك، خصوصاً تجربتك الأمنية في غزة.
ماذا تقول لهم؟
محمد دحلان:
أقول لهم: من حقكم أن تنتقدوا.
أنا لا أطلب من الناس أن يتفقوا معي.
لكنني أطلب أن يكون الحكم على التجربة موضوعياً، وأن نضع الأحداث في سياقها التاريخي والسياسي.
وأنا مستعد دائماً لمناقشة الماضي.
لكنني أفضل أن نتعلم منه بدلاً من أن نبقى أسرى سالم:
وهذه ربما واحدة من أهم رسائل هذا اللقاء.
أن السياسي لا ينبغي أن يبقى أسير الماضي.
محمد دحلان:
صحيح.
فلسطين لا تستطيع أن تبني مستقبلها بعقلية الماضي.
نحن بحاجة إلى جيل جديد، وإلى عقل سياسي جديد، وإلى لغة جديدة.
نحتاج أن ننتقل من سؤال: من انتصر على من؟
إلى سؤال: كيف ينتصر الفلسطيني؟
سالم:
وأخيراً، أبو فادي…
لو كان أمامك الآن شاب فلسطيني في غزة، فقد بيته، وربما فقد أحد أفراد أسرته، ولا يثق بأي قيادة سياسية…
ماذا تقول له؟
محمد دحلان:
أقول له: لا تفقد الأمل.
أنتم لستم جيل الحرب فقط.
أنتم جيل الدولة الفلسطينية.
نريد أن نبني لكم بلداً لا يحتاج فيه الإنسان إلى واسطة لكي يحصل على حقه، ولا يخاف فيه من السلطة، ولا يخاف فيه من المستقبل.
وأقول له أيضاً: لا تجعلوا خلافاتنا القديمة تسرق مستقبلكم.
أنتم أصحاب الحق في اختيار من يقودكم.
سالم:
أبو فادي، كلمة أخيرة للفلسطينيين.
محمد دحلان:
رسالتي بسيطة:
لن نستطيع أن ننتصر ونحن منقسمون.
ولن نبني دولة من دون مؤسسات.
ولن نستعيد ثقة الناس من دون انتخابات.
ولن نحمي قضيتنا من دون وحدة وطنية.
فلسطين أكبر من فتح، وأكبر من حماس، وأكبر من دحلان، وأكبر من عباس.
فلسطين هي الشعب.
والشعب هو صاحب القرار.