عصري فياض
أربعة واربعون عاما على مجزرة صبرا وشاتيلا،فهل استفدنا من العبر؟ وهل وظفناها في مسارنا السياسي لما يخدم قضيتنا ويوجه بوصلتنا ويلائم شراع سفننا مع مسار الرياح الحقيقـــــي؟
الجواب،لا، ولا اعرف لماذا نحن مصرون رغم كلِّ ما جرى ويجري أن يكون هوائنا غربيا أكثر منه شرقيا أو متعدد الأقطاب؟
للنظر الى ذلك الحدث الذي لم يكن الأول ولا الأخير لكن تجربته كبيرة ومزلزلة من حيث الرهان والضمانات،فالويلات المتحدة الأمريكية عبر الموفد والوسيط فليب حبيب هي من توصلت لاتفاق خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت،وهي من تعهدت وضمنت مخاوف الثورة الفلسطينية على أهالي وسكان المخيمات الفلسطينية التي تدرك ما يحيط بهم من اخطار من قبل أحزاب ومجموعات تتحين الفرصة للثأر منهم والنيل من وجودهم و وفي مقدمتهم إسرائيل،وهي التي شكلت قوات متعددة الجنسيات وفق الاتفاق لحماية سكان المخيمات في بيروت بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية والتي كان من المقرر ان تبقى هذه القوات فترة طويلة،لكن تفاجأ الجميع بانسحابها بعد أيام من حضورها وبدون مبرر الا ان هناك مؤامرة جاءت بذلك الفعل وهو الانسحاب كضلع فيها،وكان الضلع الثاني المستغل اغتيال الرئيس اللبناني بشير الجميل الذي كان على علاقة واضحة مع إسرائيل، والثالث حصار شاورن لبيروت ومخيمات بيروت وادخل القوات اللبنانية والكتائب وجيش لحد الى قلب العاصمة اللبنانية / جهة صبرا وشاتيلا واستباحتها ثلاثة أيام ذبحا وقتلا واغتصابا وتنكيلا…
المفصل والدرس هنا الغدر وعدم الوفاء بل والتآمر والاستهتار بالدم الفلسطيني من قبل الولايات المتحدة الامريكية ربيبة إسرائيل والذي لا زال سياسة ثابتة وراسخة مع ذلك القيادة الفلسطينية استمرت في محاولة الحصول على اعتراف من البيت الأبيض على امل تحقيق انجاز سياسي أو إختراق وحصلت عليه لكن دون ان يقدم او يأخر في صالح القضية الفلسطينية شيئا، واستمرت سياسة منظمة التحرير الفلسطينية في التعاطي مع البيت الأبيض حتى شهدت باحاته توقيع اتفاق أوسلو تحت سقف التعهدات الامريكية بانه مؤقت لحين الوصول الى إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وحل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الأمم المتحدة، مرت فترة السنوات الخمس حتى الثلاثة والثلاثين والشعب الفلسطيني لازال ينتظر، و ما تبقى من الأرض يسحب من تحت اقدامه،وبقاءه مهدد بالمذابح والمجازر اليومية التي فاقت صبرا وشاتيلا اضعافا مضاعفة، وحلمه في إقامة دولته على أساس حل الدولتين التي تلاعب به حكام البيت الأبيض على تواليهم طويلا،وكان افضل وأعلى ما قالوه ” نؤمن بحل الدولتين،لكن لا نرى له تطبيقا ممكنا له في المستقبل المنظور”…
وليست المشكلة في الرأي الأمريكي او العجز العربي الذي يقف صامتا امام ذلك الرأي المستخف بشعب فلسطين وقضيته،المشكلة في الرهان على تغيير الموقف الأمريكي ذات يوم لصالح القضية الفلسطينية في الوقت الذي يخسر الشعب الفلسطيني او يكاد كل اركان قضيته على الأرض، والمشكلة ان الدروس والعبر التي كان يجب ان تستخلص من مجزرة صبرا وشاتيلا لم تؤخذ بعين الاعتبار في العمل السياسي العربي والفلسطيني،ولم توظف فيه،بل لم توازن بينه وبين التكتلات والاقطاب السياسية والاقتصادية التي بدأت تظهر خلال العقدين الماضيين بعدما ملَّ الكثير من الشعوب والدول من تفرد الولايات المتحدة بالقطبية الواحدة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وعلى راسها الاتحاد السوفياتي، بل اوغرت السياسة الفلسطينية نحو الغرب،والدول التي تدور في فلك الولايات المتحدة، وتربط مصالحا معها…
ختاما : عندما التقى الراحل صلاح خلف أبو اياد بعض أعضاء الجالية الفلسطينية في دولة الامارات بعد اشهر على مجزرة صبرا وشاتيلا،سأله بعض الحاضرين عن المغدوريين في المجزرة، قال هم شهداء في مسيرة نضالنا…
فسألته احدى النسوة : ومن تعرض من النساء للاغتصاب ؟
صمت ولم يجب… هذا ما ذكره أبو اياد في كتابه الشهير “فلسطيني بلا هوية “