جاري التحميل...

هل تصمد إيران امام الهجوم الاقتصادي الجديد؟؟

 

عصري فياض

حزمة العقوبات الجديدة التي أعلنتها الإدارة الامريكية على لسان وزير الخزانة الامريكية “سكوت بيسنت ” ضد ايران تحت مسمى ” سياسة الحنق ” الاقتصادي او انزال “النورماندي” هي استكمال للعقوبات الامريكية الممتدة على ايران من بداية ثمانينيات القرن الماضي والتي بلغت اكثر من 5400 قرار عقابي اقتصادي،وهي أيضا امتداد للحملات العسكرية الامريكية والإسرائيلية التي جرت منذ حزيران 2025 والتي استمرت اثني عشر يوما وما تلاه من حرب الأربعين يوما بداية من الثامن والعشرين من شباط الفائت حتى الثامن من نيسان وما تلاها أيضا من الهجمات الثمانية عشر التي تلت اغلاق مضيق هرمز في الأسابيع الماضية،وهي تشمل خمسة قطاعات وهي التكنولوجيا والبرامج الرقمية والذهب والطيران والنقل البري والبحري، وهي أيضا تصيب شرايين التواصل الاقتصادي الإيرانية برا وبحرا مع العالم على امتداد مساحة شاسعة من الصين شرقا الى سويسرا غربا، والتي تتوقع منها الولايات المتحدة ان تصيب الاقتصاد الإيراني بالانهيار وبالتالي يتحرك الشعب الإيراني الذي يعاني نسبة تضخم عالية وانهيار في العملة مقابل الدولار الامر الذي سيضيف تركيب نتائج الهجمات العسكرية طيلة الفترات الثلاث الماضية على خنق اقتصادي يؤدي ربما الى تحريك الداخل الإيراني تدعمه أمريكا وحلفائها ليسقط النظام او يدفعه للتراجع عن مواقفه وبالتالي القبول بالشروط الامريكية التي يبدو انها تجاوزت وثيقة التفاهم التي وقعها الرئيسان الأمريكي دولاند ترامب والإيراني مسعود بزشكيان في السابع عشر من حزيران من العام الحالي والتي لم يتم تنفيذ بنودها رغم مرور فترة اكثر من شهرين التي كانت مجسا للالتزام بها وفترة تفاوض قابلة للتمديد لكل الملفات العالقة.

لكن السؤال هنا هل تصمد ايران امام هذه العقوبات القاسية او كما سمهاها وزير الخزانة الامريكية بالكاسحة؟

لعل الجواب على هذا السؤال امام الواقع الضبابي لحالة الحرب في كلا الطرفين لن يكون دقيقا 100%،فخيار الضبابية الاستراتيجي الإيراني في السياسة والاقتصاد والناحية العسكرية يظلل ايران حتى لا تنكشف الحالة الإيرانية بأبعادها الثلاث السياسية والعسكرية والداخلية امام الخصم والعدو في عز حالة الحرب او حالة اللا سلم ولا حرب بين الجانبيين، ولكن التجربة الإيرانية الغنية في التعامل مع هذه العقوبات طويلة الأمد، وهي تمتد لأكثر من 46 عاما متواصلة استطاعت خلالها ايران في وضع الخطط التي مكنتها الالتفاف على هذه العقوبات،وجعلتها تحافظ على تصدير النفط والغاز ومشتقات البتروكيماويات والمنتجات الأخرى للصين والهند وجنوب شرق اسيا وروسيا ودول الجوار وحتى بعض الشركات الأوروبية الامر الذي جعلها تصدر مليون ونصف برميل من البترول يوميا قبل الثامن والعشرين من شباط الماضي 90% للصين اكبر مستود للطاقة الإيرانية، كما لا ننسى ان ايران اعتمدت الاقتصاد المقاوم خلال السنوات الماضية للتغلب على هذه العقوبات بتوجيهات من المرشد السابق الراحل علي الخامنئي،كذلك وخلال العقدين الماضيين كانت ايران من الدول السباقة للانضمام الى دول البركس الاقتصادية وتكتل شنغهاي اللذان يسعيا الى تكوين تكتل اقتصادي تعاوني يتحرر من سيطرة الدولار ويسعى لاستكمال التكامل الاقتصادي بين الكثير من الدول الكبرى خاصة الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب افريقيا والباكستان وماليزيا واندونيسيا ومصر والسعودية وغيرها من الدول.

إن وضع ايران الجيوسياسي ومركزها الجغرافي الواقع بين خمسة عشر دولة من الباكستان في الجنوب الشرقي الى الشمال ودول اسيا الوسطى والمشاطئة لبحر قزوين التي تصدر من خلاله نحو 20% من صادراتها المتنوعة حتى الغرب مع تركيا التي عقدت معها صفقة تعاون تجاري بقيمة 25 مليار دولار والعراق والدول العربية المطلة على الخليح وبحر عمان سيعطيها مساحة أوسع في التغلب على العقوبات التي هي أصلا ليست صادرة عن هيئة الأمم المتحدة أو أي جهة دولية وبالتالي لا تلزم الالتزام بها من قبل دول مؤثرة كالصين والهند اللتان اعلنتا سريعا ورسميا رفضهما لمثل هذه العقوبات،وهذان الموقفان حتما سيجران عدد آخر من الدول لاتخاذ نفس الموقف خاصة بعض موجة الضرائب التي فرضها ترامب على التعامل التجاري مع معظم دول العالم في بداية ولايته الثانية، وتماما كما رفضت كثير من الدول الحليفة للويلات المتحدة مساعدة الإدارة الامريكية في عدوانها العسكري على ايران مثل إيطاليا واسبانيا وكوريا الجنوبية من المتوقع ان ترفض العديد من الدول التعاون في هذه الموجة الجديدة من العقوبات.

إن الاقتصاد الإيراني وبرغم وطئة العقوبات قبل الحرب قد وصل للاكتفاء الذاتي او شبه الاكتفاء الذاتي في كثير من مناحي الحياة خاصة المواد الغذائية والأدوية والتكنلولوجيا والتصنيع الثقيل من حديد وفولاذ وصلب وبالتالي سيكون من الصعب ان تؤثر هذه العقوبات الجديدة على الداخل الإيراني او ربما تحتاج لوقت طويل ليظهر أثرها وهذا الوقت الطويل ربما لا تحتاج الولايات المتحدة إنتظار نتائجه،او انه سيتعدى الفترة المتبقية لوجود ترامب في حكم البيت الأبيض.

ان العقوبات الامريكية على ايران خلال الستة وأربعين عاما لم تمنع ايران من التقدم في شتى المجالات، وان تبلغ مكانا مهما على مستوى العالم في كثير من حقول الحياة فصندوق النقد الدولي صنف ايران بداية هذا العام بالرقم 24 اقتصاديا في العالم والسادسة إسلاميا،وعسكريا الدولة السادسة عشر على مستوى العالم (إسرائيل 15)، والمرتبة الخامسة عشر من حيث الإنتاج العلمي، ومن حيث الإنتاج الغذائي بحسب تصريحات لوزير الزراعة الإيراني غلام رضا نوري قزلجة في أبريل/نيسان 2026، فإن الإنتاج المحلي يغطي نحو 85% من السلع الغذائية والأساسية،وهو ما اعتبره دليلا على أن الأمن الغذائي في البلاد لا يزال مؤمنا رغم ظروف الحرب.والامثلة على النهوض القياسي لحالة ايران منذ انتصار الثورة لغاية الان يطول الحديث فيه وفق احصائيات رسمية محايدة تشير الى تقدم نموذجي في شتى المجالات رغم الحصار والعقوبات الممتدة طيلة تلك الفترة.

الخلاصة نعم هي الأقصى والاصعب،لكن على دولة ربما تكون اقل قدرة وامكانيات من ايران واقل خبرة في التعامل مع العقوبات،فقد بنت ايران خبرات طويلة وممتدة طيلة اكثر من 46 عاما من العقوبات اتقنت في كل مرة في إيجاد طرق التفافية لتجاوزها وتقليل اثارها،وهذا ما يعزز الثقة لدى المسؤولين الإيرانيين الذين يجمعون على التنبوء بفشلها كما فشلت سابقاتها، وبالتالي إضافة سقوط جديد للخيارات الامريكية الطامحة لتجاوز ايران نحة الصين وروسيا وباقي الملفات التي وضعها ترامب على طاولتة ويسعى لتحقيقها لاعادة الهيبة والقدرة المرجوة للولايات المتحدة في العالم خلال العقود القادمة.