جاري التحميل...

صرخة الضفة: بين صمت الموت وانتفاضة الفناء قراءة في معادلة الحكومة الإسرائيلية الاستيطانية وخيارات الشعب الفلسطيني

في مشهد يتكرر بوتيرة مأساوية، لم يعد ما يجري في الضفة الغربية مجرد احتلال عسكري تقليدي، بل تحول إلى عدوان ممنهج يقوده وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال، يستخدمون المستوطنين كذخيرة حية لحرق القرى وتهجير سكانها، وسط حماية عسكرية رسمية. مذبحة “بيتا” التي أودت بحياة أربعة شهداء من عائلة واحدة لم تكن حادثة معزولة، بل هي حلقة في مسلسل إجرامي يهدف إلى إشعال المنطقة وإغراقها في انتفاضة شعبية، هدفها الوحيد إطالة عمر حكومة استيطانية تبحث عن غطاء لبقائها، وتأجيل مصير قادتها المحتوم أمام القضاء.

هذا السيناريو، وإن كان يبدو كجنون عابر، فهو منهج سياسي محسوب ومُصرّح به من قبل قادة الاحتلال أنفسهم. فما يتهم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليوم، من خلق حروب واضطرابات للبقاء في الحكم والهروب من المحاكمة، ليس مجرد تحليل سياسي، بل هو واقع سبق أن مارسه غيره، وعلى رأسهم إيهود باراك، الذي فجّر انتفاضة الأقصى عام 2000 لحسابات سياسية ضيقة، سعياً لإنقاذ حكومته آنذاك. الأدهى والأمرّ أن باراك، الذي لم يتردد في استخدام الدم الفلسطيني كورقة سياسية، يخرج اليوم لينتقد سياسات نتنياهو، وكأنه يحاول غسل يديه من دماء الأبرياء، متناسياً أن سياسة الخداع والتفاوض الوهمي وتحميل الفلسطيني مسؤولية فشل المفاوضات هي بوصلة إسرائيل الثابتة في كل العهود.

أما اليوم، فالأمر مختلف وأكثر خطورة. لم يعد نتنياهو يحتاج لذريعة “عرض سخي” رفضه الفلسطينيون، بل يمارس وزير ماليته بتسلئيل سموتريتش ووزير أمنه القومي إيتمار بن غفير سياسة التهجير العلنية والتوسع الاستيطاني الواضح في مناطق تخضع لصلاحيات السلطة الفلسطينية، في مشروع يهدف إلى طمس أي أفق لحل الدولتين وفرض واقع استيطاني جديد. هذه السياسة التي يصفها مراقبون بأنها تهدف إلى “جعل فلسطين تختفي مادياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً”، لا يمكن أن تستمر دون رد فعل، لكن السؤال الأصعب يبقى معلقاً في الهواء:

ما هو الدور المطلوب من الشعب الفلسطيني في مواجهة هذه الآلة القاتلة؟ هل يبقى صامتاً حتى يأتيه الموت على يد المستوطنين تحت حراسة الجيش، أم يفجّرها انتفاضة شعبية يتقبل خلالها الموت والدمار المحتم؟

هذا هو السؤال الجوهري الذي يحمل إجابته مصير الشعب الفلسطيني في المرحلة القادمة.

أولا: الصمت ليس خياراً.. إنه انتحار بطيء

الإحصاءات تتحدث عن نفسها، ففي عام 2026 وحده تم توثيق أكثر من 950 هجوماً للمستوطنين بمعدل ست هجمات يومياً طالت مئات التجمعات السكانية. هذا ليس عنفاً عشوائياً، بل حملة منظمة تهدف إلى تهجير القرى الفلسطينية، حيث شهدنا نزوح عشرات المجتمعات بالكامل منذ عام 2023. الصمت في مواجهة هذا العدوان، والاكتفاء بالنداءات الدولية، يعني الاستسلام لمشروع يهدف إلى تصفية الوجود الفلسطيني في الضفة، وتحويل المدن إلى كانتونات معزولة وسجون مفتوحة. الصمت ليس خياراً وطنياً، بل هو توقيع على شهادة وفاة المشروع الوطني.

ثانيا: الانتفاضة.. خيار باهظ الثمن لكنه ضروري

ما يجري في الضفة هو إعلان حرب ممنهج على الشعب الفلسطيني، وفي الحرب لا مكان للقانون الدولي الذي بات عاجزاً عن ردع جرائم الاحتلال، ولا مكان للمساومات السياسية التي لم تجلب للفلسطيني سوى المزيد من الاستيطان. إن الدعوات التي تطلقها الفصائل الفلسطينية ليوم الغضب والتعبئة هي ترجمة طبيعية لحالة الغليان الشعبي، وليست ترفاً سياسياً. فالانتفاضة، مهما كان ثمنها دموياً، هي الرسالة الوحيدة التي تفهمها حكومة الاحتلال، فقد أثبتت الانتفاضة الثانية أنها السبب المباشر في إسقاط حكومة باراك. واليوم، وبينما يتحدث المحللون العسكريون الإسرائيليون عن إرهاق الجيش وتآكل الردع، فإن أي انتفاضة شعبية عارمة تعيد تعريف قواعد الاشتباك هي الكابوس الذي يهدد وجود هذه الحكومة الاستيطانية.

ثالثا: الفخ الذي نصبه الاحتلال

هنا تكمن المأساة. حكومة نتنياهو، وبتحريض من بن غفير وسموتريتش، تدفع الفلسطيني نحو الانتفاضة، ليس لأنها تريد قمعها فحسب، بل لأنها تريدها أن تتحول إلى حرب أهلية أو انتفاضة مسلحة تمنحها ذريعة لتنفيذ مخطط التهجير الأكبر، وتطبيق سيناريو غزة في الضفة. إنهم يريدون جر الفلسطيني إلى مربع المواجهة الشاملة ليبرروا للعالم، وللشارع الإسرائيلي تحديداً، الحاجة إلى بقائهم في الحكم لإدارة حالة الحرب.

إذن، ما هو المخرج؟

الإجابة ليست في أحد الخيارين المتطرفين: الصمت الذليل، أو الانتفاضة العشوائية التي تؤدي إلى تدمير شامل. بل هي في خيار ثالث، أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة:

رؤية استراتيجية للخلاص

أولاً: الانتفاضة الشعبية المدروسة لا المسلحة العشوائية، حيث تكون المواجهة شعبية سلمية في أدواتها لكن عنيفة في تأثيرها، عبر الإضراب الشامل والمواجهات الميدانية المباشرة مع المستوطنين والجيش، مع تجنب إعطاء الاحتلال ذريعة القصف الجماعي كما في غزة. هذه الاستراتيجية أثبتت قدرتها على كسر شوكة الاحتلال دون منحه مبرراً لتدمير البنى التحتية.

ثانياً: استثمار الغضب الشعبي في تعزيز الوحدة الوطنية، فالخطر الأكبر اليوم ليس جيش الاحتلال، بل حالة الانقسام والفوضى الداخلية. المطلوب جبهة وطنية موحدة تقود هذه المواجهة برؤية سياسية واضحة، لا تترك الباب مفتوحاً للفوضى أو للتدخلات الإقليمية التي تستغل الأوضاع.

ثالثاً: إفشال مشروع الاحتلال داخلياً، فالنصر لا يتحقق ما دامت البندقية الإسرائيلية مسلطة، لكنه يتحقق بجعل حياة الاحتلال جحيماً، وإفشال مشروعه الاستيطاني بجعل الضفة غير قابلة للحياة بالنسبة للمستوطنين، من خلال الضغط الشعبي المتواصل ومقاطعة البضائع وجعل مناطق الاستيطان بؤراً ساخنة لا تطاق. هذه هي معادلة الردع المقلوب التي يخافها المستوطنون.

خلاصة القول:

ما يحدث في الضفة ليس مجرد تصعيد، بل هو حرب وجود بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الشعب الفلسطيني أمام خيار واحد لا ثالث له: المقاومة بكل الوسائل، لكن بعقلية استراتيجية تدرك فخاخ الاحتلال. أما خيار الصمت فهو موت بطيء، وخيار الانتفاضة الفوضوية فهو انتحار جماعي. المطلوب هو ثورة شعبية ذكية، تدرك أن معركتها اليوم ليست معركة أسلحة، بل معركة وجود على الأرض، وأن النصر فيها يبدأ بكسر حالة اليأس، وإعادة بناء الثقة بالنفس، وتوحيد الصف، وإفشال المخططات الاستيطانية مهما كان الثمن. فكما قال قادة الاحتلال السابقون، سقوطهم يبدأ عندما يقرر الفلسطيني أن الحياة تحت الاحتلال أصبحت مستحيلة.