في مسيرة الشعوب المناضلة، لا تُقاس قيمة الرجال بعدد المناصب التي يصلون إليها، بل بحجم الأثر الذي يتركونه في الوعي الوطني والتنظيمي، وبمقدار الوفاء الذي يحملونه لفكرتهم وقضيتهم. ومن بين هؤلاء الرجال الذين صاغتهم المخيمات، وصقلتهم المعاناة، ورفعتهم راية الانتماء الصادق، يبرز اسم المناضل الفتحاوي عبد المنعم حمدان “أبو المنذر”، ابن مخيم الجلزون، اللاجئ الفلسطيني من قرية عنّابا المهجرة، الذي حمل فلسطين في قلبه، وحمل حركة فتح في روحه، وسار بها إلى العالم كله دون أن يتعب أو ينكسر.
أبو المنذر ليس مجرد كادر تنظيمي عابر في تاريخ الحركة، بل هو مدرسة فتحاوية متكاملة، جمعت بين الفكر والأخلاق والانتماء والالتزام. رجل عرفته الساحات الفلسطينية والعربية، من الأردن إلى سوريا ولبنان وتونس، والامريكيتين وروسيا واروبا الشرقيه بل الى معظم دول العالم حاملاً همّ الحركة وقضية شعبه، يبني الهياكل التنظيمية، ويزرع روح الانتماء في صفوف أبناء فتح أينما وجدوا. لم يكن يبحث عن صورة أو موقع أو امتياز، بل كان يعتبر أن خدمة فتح وفلسطين شرفٌ يعلو فوق كل الاعتبارات.
في زمن تبدّلت فيه المواقف عند البعض، بقي أبو المنذر ثابتاً كأشجار الزيتون التي لا تنحني للعواصف. حضوره الدائم في المحافل والتجمعات الفتحاوية لم يكن حضوراً بروتوكولياً، بل حضور المؤمن بفكرته، المدافع عنها بعقله وأخلاقه وسلوكه. كثيرون تعلّموا منه معنى الالتزام التنظيمي، وكيف يكون الاختلاف داخل الحركة عامل قوة لا أداة هدم، وكيف تبقى فتح البيت الوطني الجامع رغم كل الظروف والتحديات.
تدرّج أبو المنذر في العمل التنظيمي بإخلاص وصبر، حتى أصبح عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح، و نائب لمفوض التعبئه والتنظيم لعده سنوات مواصلاً دوره الوطني والتنظيمي بعطاء لا ينقطع. لكنه في المؤتمر الثامن، ورغم تاريخه الطويل والمشرّف، لم يحالفه الحظ في الفوز بعضوية المجلس الثوري. وهنا ظهر المعدن الحقيقي للرجل؛ فلم يغضب، ولم يهاجم، ولم يتنكر لتاريخه أو لحركته، بل خرج بكلمات تختصر عقيدة المناضلين الأوفياء قائلاً: “أنا ابن فتح ما هتفت لغيرها”.
هذه العبارة لم تكن مجرد جملة عابرة، بل كانت موقفاً وطنياً وأخلاقياً يعبّر عن جوهر الفتحاوي الحقيقي، الذي يرى في الحركة قضية انتماء ونضال، لا سلماً للمواقع أو المصالح. هكذا هم أبناء المخيمات الحقيقيون، الذين تربّوا على فكرة الثورة، وعاشوا معنى اللجوء والحرمان، فصاروا أكثر التصاقاً بفلسطين وأكثر وفاءً لفتح.
لقد قدّم أبو المنذر خلال مسيرته واحداً من أجمل وأصدق النماذج في العمل التنظيمي الفتحاوي، وكان مرجعاً في الفكر والبناء التنظيمي، وترك بصمات واضحة في الساحات التي عمل بها. لم يكن مجرد مسؤول، بل كان مربياً وطنياً، يصنع الكوادر ويغرس فيهم أخلاق الحركة قبل تعليمهم أنظمتها ولوائحها.
إن الحديث عن عبد المنعم حمدان “أبو المنذر” هو حديث عن جيل كامل من أبناء فتح الذين حملوا الثورة على أكتافهم، وعاشوا لفلسطين دون ضجيج، وكتبوا تاريخهم بالفعل لا بالشعارات. هو ابن عنّابا والجلزون، ابن اللجوء والثورة، الرجل الذي بقي وفياً حتى اللحظة الأخيرة، مؤمناً أن فتح أكبر من الأشخاص، وأن فلسطين تستحق أن نعطيها أعمارنا كلها دون انتظار مقابل.
سيبقى أبو المنذر نموذجاً للفتحاوي الأصيل، الذي لا تغيّره النتائج ولا تهزّه المواقع، لأن الرجال الكبار لا تصنعهم صناديق الانتخابات فقط، بل تصنعهم سنوات العطاء، وصدق الانتماء، واحترام الناس، والتاريخ الذي لا يمكن لأحد أن يمحوه










