جاري التحميل...

على حافة الموت: اللاجئون في متاهة الحدود والحياة

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

ليس اللاجئ رقماً في جداول الإحصاء، ولا المهاجر مجرد عابرٍ للحدود، ولا قارب الموت وسيلة نقل عابرة بين ضفتين؛ إنهم، قبل كل شيء، بشرٌ دفعتهم الحروب والفاقة والاضطرابات وانهيار شروط الحياة إلى مغادرة المكان الذي كان يفترض أن يكون وطنًا وأمانًا. ومن هنا تبرز مأساة اللجوء والهجرة بوصفها واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحًا في عالمنا المعاصر؛ إذ تتقاطع فيها السياسة بالحرب، والاقتصاد بالعدالة، والحدود بالكرامة، والقانون بمسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان.
وما يثير القلق أن العالم، في الوقت الذي راكم فيه منظومات قانونية ومؤسسات دولية لحماية الإنسان، يشهد اتساعًا مضطردًا في أعداد الذين يُجبرون على الفرار من أوطانهم. وهكذا يجد الإنسان نفسه عالقًا بين وطنٍ لم يعد قادرًا على حمايته، وطريقٍ لا يضمن له الوصول، وحدودٍ قد تتحول من فضاء للعبور إلى جدارٍ يفصل بين الحياة والموت.

حين تتراجع ثقافة التعايش

ما زالت الأحداث المتلاحقة تتراكم وتتداخل، بحيث يصعب فصل أزماتها عن بعضها أو النظر إليها بمعزل عن التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية التي أعادت تشكيل العالم خلال العقود الأخيرة. غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا يظل: كيف أمكن لثقافة التعايش الإنساني، التي راكمتها البشرية عبر قرون طويلة، أن تتراجع إلى هذا الحد أمام صعود العنف والتعصب واللامبالاة؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يفقد ماله أو وطنه فحسب، بل أن يفقد شيئًا من إنسانيته ذاتها، وأن تتحول حقوقه الأساسية إلى امتيازات مشروطة بالمكان الذي وُلد فيه، أو بالجنسية التي يحملها، أو بالحدود التي استطاع عبورها.

فالحق في الحياة الآمنة والكريمة، والحق في الصحة والتعليم والعمل، والحق في السكن والأمن الاجتماعي، ليست ترفًا سياسيًا ولا منّة تقدمها الدول متى شاءت، وإنما هي من صميم الكرامة الإنسانية التي كرستها المواثيق الدولية.
وفي جوهر التعايش الإنساني اعترافٌ بأن الاختلاف ليس جريمة، وأن التعدد ليس تهديدًا، وأن احترام الآخر لا يعني التطابق معه. فالتعايش يمكن أن يكون بين أبناء المجتمع الواحد، وبين الجماعات المختلفة دينيًا وثقافيًا، وبين الدول المتباينة سياسيًا، وبين القوى الاجتماعية المتعارضة في مصالحها ورؤاها. وهو، في جوهره، قبولٌ بوجود الآخر وحقه في الاختلاف، واحترام لخصوصياته التاريخية والثقافية والفكرية، ونبذٌ للقمع والتسلط والأحادية والعنف والإقصاء.
لكن هذا المعنى النبيل يتعرض اليوم لاختبارات قاسية، كلما تحولت الحدود إلى أدوات للعزل، وتحولت الهجرة إلى هاجس أمني، وتحول اللاجئ من إنسان يحتاج إلى الحماية إلى مجرد ملف في أجهزة الإدارة.

الحروب التي تصنع اللاجئين

ليس تدفق اللاجئين ظاهرة منفصلة عن الحروب والصراعات الدولية والإقليمية. فخلال العقود الماضية تحولت دول ومناطق عديدة إلى مسارح لصراعات مدمرة دفعت شعوبها أثمانًا باهظة، ومن بينها أفغانستان والعراق، فضلًا عن مناطق واسعة من العالم العربي وإفريقيا.
لقد أدت الحروب الطويلة، والانهيارات السياسية، وتفكك مؤسسات الدولة، والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، إلى تدمير جزء كبير من البنية الاجتماعية والاقتصادية في البلدان المنكوبة، ودفع ملايين البشر إلى البحث عن مكان آخر يستطيعون فيه أن يعيشوا بعيدًا عن الخوف والجوع والاضطهاد.
وهنا ينبغي النظر إلى اللاجئ لا بوصفه سببًا للأزمة، بل بوصفه أحد أبرز ضحاياها.
فالمشهد الذي شهدته طرق الهجرة خلال العقد الماضي، وخصوصًا تجمع أعداد كبيرة من الفارين في تركيا واليونان ودول البلقان وهم يحاولون الوصول إلى أوروبا، لم يكن مجرد موجة هجرة عابرة، بل كان تعبيرًا مرئيًا عن أزمات عميقة تراكمت في مناطق واسعة من الشرق الأوسط وإفريقيا.
لقد كان الإنسان في تلك الرحلة يحمل ما تبقى له من حياته في حقيبة صغيرة، بينما يحمل في ذاكرته بيتًا تركه، ومدينةً فقدها، وأقارب ربما لا يعرف مصيرهم، ومستقبلًا لا يملك عنه إلا الرجاء.

أوروبا بين التضامن والقلق

شهدت أوروبا خلال العقد الماضي موجات لجوء واسعة، وكان عام 2015 أحد أبرز المنعطفات في هذا السياق. وتشير البيانات الألمانية إلى أن عدد الوافدين الجدد من طالبي اللجوء في ذلك العام قُدّر لاحقًا بنحو 890 ألف شخص، مع كون سورية من أبرز بلدان المنشأ.
ثم جاءت الحرب في أوكرانيا لتفتح فصلًا جديدًا في أزمة النزوح الأوروبي، بالتزامن مع آثار جائحة كوفيد-19 والتوترات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدتها القارة والعالم.
ولا يمكن إنكار أن استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين يفرض على الدول المستقبلة أعباءً اقتصادية وإدارية واجتماعية، لكن معالجة هذه الأعباء ينبغي ألا تجعل الإنسان نفسه هو المشكلة. فالمعادلة الأكثر عدلًا هي أن تبحث الدول عن وسائل توزيع المسؤولية، وتحسين سياسات الاندماج، ومعالجة جذور النزاعات التي تنتج موجات اللجوء، بدل الاكتفاء بإغلاق الحدود أمام نتائج الكوارث التي لم يصنعها اللاجئون.
إن أوروبا، بما تملكه من مؤسسات وتجربة قانونية وموارد، تواجه اختبارًا حقيقيًا في قدرتها على الموازنة بين حماية حدودها والتزاماتها القانونية والإنسانية تجاه من يطلبون الحماية.
من المتوسط إلى رواندا: حين تصبح الحدود أكثر قسوة من البحر

لقد تحولت طرق الهجرة غير النظامية إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في عصرنا. فالبحر المتوسط لم يعد مجرد مساحة جغرافية تفصل بين قارتين، بل أصبح بالنسبة إلى آلاف المهاجرين حدًا فاصلًا بين أمل الوصول واحتمال الغرق.
والسؤال هنا ليس لماذا يركب هؤلاء البحر رغم مخاطره، وإنما: ما الذي يجعل الإنسان مستعدًا للمجازفة بحياته في البحر إذا كان الموت في وطنه أو في ظروفه السابقة قد أصبح، في نظره، أكثر احتمالًا من الحياة؟

إن القارب المطاطي أو المركب المتهالك لا يصنع المأساة؛ المأساة تبدأ قبل ذلك بكثير، حين تضيق أمام الإنسان مساحات الأمل، وحين يصبح الفقر والحرب والاضطهاد وانعدام المستقبل أقوى من الخوف من البحر.
وفي السياق البريطاني، طرحت الحكومات السابقة منذ عام 2022 شراكة مع رواندا تقضي بإتاحة نقل بعض طالبي اللجوء إلى هناك لمعالجة طلباتهم، ثم أُقر قانون Safety of Rwanda (Asylum and Immigration Act 2024) في 25 نيسان/أبريل 2024. وقد قدمت الحكومة البريطانية السياسة بوصفها وسيلة لردع الرحلات الخطرة وغير النظامية، بينما أثارت الخطة جدلًا قانونيًا وسياسيًا وحقوقيًا واسعًا.
ومن المهم، عند تناول رواندا، تجنب اختزال تاريخها في الحرب الأهلية وحدها، كما ينبغي ألا تتحول النقاشات حول سلامة نظام اللجوء فيها إلى أحكام مطلقة. فقد تناولت الحكومة البريطانية نفسها، في وثائقها الرسمية، مسائل تتعلق بنظام اللجوء وحقوق الإنسان في رواندا، كما ارتبطت السياسة البريطانية هناك بتطورات وأحكام قضائية وتشريعية متعاقبة.

بريكست والهجرة: سياق سياسي متداخل

ولا يمكن فصل النقاش البريطاني حول الهجرة عن التحولات السياسية التي شهدتها المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة. ففي استفتاء 23 حزيران/يونيو 2016 صوّت 51.9% من المشاركين لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي مقابل 48.1% لصالح البقاء، بنسبة مشاركة بلغت 72.2%. أما تفسير هذا التصويت بأنه كان، بصورة منفردة، تعبيرًا عن الرغبة في منع تدفق المهاجرين واللاجئين، فهو تفسير يحتاج إلى التمييز بين الوقائع الانتخابية وبين دوافع الناخبين المتعددة والمعقدة.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في عصرنا: الدول تحاول حماية حدودها ومصالحها، بينما يبحث الإنسان المهدد عن حدود يستطيع عبورها كي يحمي حياته. وبين الحقين يقف القانون الدولي بوصفه محاولة لإيجاد توازن بين سيادة الدول وكرامة الإنسان.

أرقام تختصر مأساة عالمية

تكشف بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن حجم المأساة العالمية. فقد بلغ عدد الأشخاص الذين أجبروا على النزوح قسرًا في نهاية عام 2022 نحو 108.4 ملايين شخص نتيجة الاضطهاد والصراعات والعنف وانتهاكات حقوق الإنسان وغيرها من الاضطرابات الخطيرة.
لكن الرقم، مهما بلغ، يبقى عاجزًا عن نقل المعنى الإنساني الكامل للمأساة. فكل رقم يخفي وراءه وجهًا، وكل وجه يحمل قصة، وكل قصة تختزن بيتًا وذاكرةً وأحبةً ومدينةً وحلمًا انكسر.
ولذلك فإن التعامل مع أزمة اللجوء من خلال الأرقام وحدها قد يحول الإنسان إلى إحصائية، بينما المطلوب أن تعيد السياسة إلى الأرقام وجوهها الإنسانية.

الخوف من المستقبل

يزداد القلق كلما اتسعت رقعة الصراعات الدولية واشتدت المنافسة بين القوى الكبرى، لأن الحروب الكبرى لا تنتج قتلى ودمارًا فحسب، وإنما تنتج أيضًا موجات هائلة من النزوح والهجرة وانهيار البنى الاجتماعية والاقتصادية.
والأخطر أن استمرار الحروب في مناطق متعددة من العالم قد يجعل أزمة اللاجئين أكثر اتساعًا وتعقيدًا، خصوصًا إذا انتقلت الصراعات من نطاقاتها الإقليمية إلى مواجهات أوسع بين القوى الكبرى.
وليس المطلوب أن نتنبأ بكارثة عالمية كي ندرك خطورتها؛ يكفي أن نتأمل ما فعلته الحروب المحلية والإقليمية بملايين البشر حتى ندرك أن اتساع دائرة الصراع قد يجعل أعداد النازحين واللاجئين تتضاعف بصورة يصعب على النظام الدولي التعامل معها.

الإنسان قبل الحدود

إن قضية اللاجئين والمهاجرين ليست قضية حدود فقط، ولا قضية أمن واقتصاد فحسب؛ إنها في جوهرها قضية الإنسان عندما يُنتزع من مكانه، ويُدفع إلى طريق لا يعرف نهايته.
ومن حق الدول أن تحمي أمنها، وأن تضع قوانين للهجرة واللجوء، وأن تنظم حدودها ومقدراتها؛ لكن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لإهدار كرامة الإنسان أو التعامل مع طالب الحماية باعتباره خطرًا لمجرد أنه وصل من مكان آخر.
وفي المقابل، فإن معالجة الهجرة لا تبدأ من القوارب، بل من أسباب ركوبها؛ ولا تبدأ من الحدود، بل من الحروب التي تدفع البشر إلى عبورها؛ ولا تنتهي بترحيل المهاجر، بل تبدأ بإعادة بناء عالم يستطيع فيه الإنسان أن يعيش في وطنه دون خوف، وأن يعمل دون إذلال، وأن يتعلم دون حرمان، وأن يعالج دون عجز، وأن يحلم دون أن يكون حلمه جريمة.
لقد أصبح العالم أمام سؤال أخلاقي وسياسي بالغ القسوة:

هل نريد عالمًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بجواز سفره وحدوده، أم عالمًا تكون فيه الحياة حقًا أصيلًا لا يسقط عندما يضطر الإنسان إلى الفرار؟
فبين الموت الذي يطارد الإنسان في وطنه، والموت الذي قد ينتظره في البحر، والموت البطيء الذي يصنعه الفقر والتهميش، تبقى الحياة هي الحق الأول الذي ينبغي أن تنتصر له السياسة والقوانين والضمائر.
وإذا كان القرن الحادي والعشرون قد ورث من القرن العشرين حدود الدول وصراعاتها، فإن التحدي الحقيقي أمامه هو أن يكتشف حدودًا جديدة للإنسانية، لا تمنع الإنسان من الوصول إلى الأمان، ولا تجعل النجاة امتيازًا، ولا تحول اللجوء إلى جريمة، ولا تسمح بأن يصبح البحر الأبيض المتوسط مقبرةً مفتوحةً لمن لم يجدوا على اليابسة مكانًا للحياة.
فاللاجئ لا يطلب عالمًا مثاليًا؛ إنه يطلب فقط مكانًا يستطيع فيه أن يبقى حيًا.أبقيتُ المقال في إطار مقال فكري إنساني لا تقريرًا إخباريًا، ولذلك حافظت على صوته التأملي والنقدي، مع جعل الوقائع القابلة للتحقق أكثر انضباطًا. كما تجنبت الجزم بأن بريكست كان سببه الوحيد أو المباشر منع المهاجرين، لأن نتيجة الاستفتاء ثابتة، أما دوافع الناخبين فتحتاج إلى فصلها عن النتيجة نفسها.