جاري التحميل...

عندما تصبح الدولة الشموليّة ديناً:

د. عدنان عويّد

يقول “فيورباخ”: (علينا أن نصبح متدينين مرة أخرى, يجب أن تصبح السياسة ديننا, لكنها لن تكون كذلك مالم يكن لنا كائن أسمى يجعل السياسة ديناً في نظرنا. ).(1)

وفيورباخ يقصد بالكائن الأسمى هنا الإنسان ذاته الذي أوجد الدين البدائي مع بداية تطور وجوده الاجتماعي ووعيه المرافق لهذا الوجود. وهنا يلتقي مع هيجل في هذه الفكرة, مع أن هيجل يعتبر هذا الكائن هو الدولة. (2).

تعتبر أطروحة فيورباخ هذه, أي إحلال السياسة بدل الدين, هي مشروع أيضاً لإحلال الفلسفة محل الدين, فعندما يحل الإنسان العقلاني محل الإنسان المتدين, يجب أن تحل هنا شراكة العمل والتعاون والانفتاح على الآخر وعمران الحياة ونشر المحبة والعدالة والمساواة والحرية بين الناس, محل شراكة الطقوس الدينيّة وأيديولوجياتها المغلقة وتفريعاتها الطائفيّة والمذهبيّة وعداواتها للمختلف وفرقها الناجية .

يقول فيورباخ: إن الدين بالمعنى المألوف ليس رابطة تشدّ الدولة وتقويها وتمنحها القدرة على التماسك, بقدر ما هي عامل انحلال لها, وتفتيت مكوناتها إلى طوائف ومذاهب متصارعة من أجل إرضاء السماء كما يعتقدون بدل إرضاء أنفسهم. فإذا كان (الله) هو السيد الذي اعتمد الإنسان عليه في جلب المطر بصلاة الاستسقاء, وهو من يحقق له النصر في المعارك.. الخ.. إلا أنه بدءً من الاعتماد على نفسه وعلى غيره من بني جنسه لتسيير أمور حياته, عبر مؤسسات اجتماعية يأتي في قمتها دولة لهم بعقد اجتماعي يتفقون عليه, عند ذلك يُضعفون بالضرورة مسألة الاعتماد كليّاً على الله, على اعتبار أن الله ليس هو من يبني الدولة ويجلب المطر للزراعة في صلاة الاستسقاء, وإنما خلق الإنسان كي يعمر هذه الأرض, لذلك فإن الإيمان بالإنسان (كخليفة) هنا, هو الذي يفسر أصل الدولة وسيرورتها وصيرورتها, (وأمرهم شورى بينهم), وإن ربطت هذه الدولة في الدين أو الإله, فهي ليست أكثر من رغبة تريد تحقيقها القوى الحاكمة المستبدّة, لمنح الدولة الصفة المقدسة من جهة, ومنح القوى الحاكمة ذاتها لهذه الدولة, صفة التقديس أيضاً, وجعلها تحكم باسم الإله, أو ممثلة له كما جرى في العصور الوسطى في أوربا, وفي الخلافة الإسلامية, وعند طارحي الحاكمية اليوم.

إذن, إن الدولة بكل مؤسساتها هي الإنسان عبر سيرورة وصيرورة حياته, وهي الدولة التي تُبنى تصرفاتها وتشريعاتها وفقاً لمصالح القوى المتحكمة بقيادة الدولة من جهة, ووفقاً لمصالح مكوناتها في حالة تناقضاتهم وصراعاتهم من جهة ثانية. وفي حالة هذه التناقضات والصراعات بين المكونات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية والأيديولوجيّة, غالباً ما تبرز على الساحة السياسيّة توجهات سياسيّة جديدة لا تبتعد في آليّة تكوينها وعملها عن تكوين وعمل الدولة الدينيّة, وأقصد هنا الدولة (الشمولية أو الكليانيّة), بصيغتها الوضعيّة التي تلغي دور الكتلة الاجتماعية في قيادة الدولة والمجامع, أو إلغاء دور الشعب كمصدر للسلطات, لتجسد دور الفرد الحاكم (الصمداني) الذي يُخضع كل السلطات في الدولة تحت أمرته أو سلطته, لتتجسد الدولة به وحده, كما قال ” لويس الرابع عشر” (أنا الدولة والدولة أنا). وهذا الأنموذج من الدولة الشموليّة الاستبداديّة رغم أن المجتمعات الغربيّة قد تجاوزته لتحل بدلاً عن الحاكم الفرد المستبد, طبقة رأسماليّة متوحشة راحت تعمل على تهجين الإنسان ونمذجته, وتفرده وبالتالي (حيونته).

بيد أن هذا الدولة (الشموليّة) في صيغتها الأولى, أي سيطرة الفرد الحاكم سيطرة مطلقة على شؤون الدولة وتحويل الشعب إلى رعيّة, راحت تتجلى في دول العالم الثالث ومنها عالمنا العربي, حيث تجد الظروف الموضوعيّة والذاتية التي تساعد على ظهورها واستمراريتها. وفي كلا حالات الدولة الشموليّة في الغرب كانت أو دول العالم الثالث, نجد أن الدولة ظلت من حيث الجوهر تدار أو تحكم بآليّة الطبقة الحاكمة المقدسة كما هو الحال في الغرب, أو تدار بحكم القائد الفرد (الصمداني) على حد تعبير الصديق المفكر الراحل “هادي العلوي أبو “الحسن”) كما هو الحال في دول العالم الثالث المتخلف, ومنه عالمنا العربي.

العلمانيّة خشبة الخلاص:

إذا كانت الدولة الشموليّة في علمنا العربي تمثل عالم الخرافة والأسطورة وتغييب العقل وتجذير الاستبداد والقهر وزرع الخوف في عقول ونفوس المواطنين الذين أصبحوا أقرب في حياتهم إلى الرعايا, ونشر الفساد في الدولة والمجتمع, وتجسيد فكرة القائد الفرد وفقهه, وبالتالي الاشتغال على كل المرجعيات المتخلفة التي تساهم في إضعاف المجتمع وتفتيته وتحطيم بنية دولة القانون والمؤسسات والأهم بنية المواطنة, لتحل بدلاً عنها الطائفيّة والمذهبيّة والعشائريّة والقبليّة والفرقة الناجية, وتجار الدين والسياسة والقوى البيروقراطيّة والطفيليّة والعسكرة…وغير ذلك من قضايا اللامعقول. فإن العلمانيّة كشروع تنموي وحضاري يدعو إلى تجسيد دولة المؤسسات, وإن الشعب هو المرجعيّة الأساس في بناء الدولة ومؤسساتها التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة, مع التأكيد عن فصل هذه المؤسسات, وبناء المواطنة بين مكونات المجتمع والدولة, كون المواطنة هي من يحقق لحمة المجتمع وتوازنه وتحقيق مصالح الفرد والمجتمع فيه, فالمواطنة هي من يحقق بالضرورة تكافؤ الفرص والحريّة والديمقراطيّة والمشاركة الفاعلة من قبل الجميع لقيادة وبناء الدولة والمجتمع بعيداً عن تفرد أي قوى مهما تكن مرجعياتها سياسيّة أو دينيّة أو طبقيّة أو كاريزميّة. أي لتكون العلمانيّة المشروع الذي يعيد الدولة إلى حضن المجتمع وللعقد الاجتماعي الذي يمنح الشعب حرية اختيار نظامه وشكله وحوامله السياسيّة, وبالتالي تكون المشروع الذي ينزع المقدس عن الدولة في شقها الديني الذي يطالب بحاكميّة الدين وتشريعاته وعقائده على حياة الناس وهذا يتحقق من خلال العمل على فصل الدين عن السياسة وجعل الدين لله والوطن للجميع. كما تعمل العلمانيّة على الغاء التفرد بالسلطة وفرض الوصاية على الشعب من قبل حزب ما, أو حاكميّة فرد ما ,يمثل بعقليته “الصمدانيّة” المرجع الأساس للدولة والمجتمع في كل شيء, وهو الذي لا يأتيه الباطل من خلفه أو بين يديه. وهنا يعمل المشروع العلماني أيضاً على نزع المقدس عن السلطات الحاكمة الشموليّة المستبدة, والعودة بالسلطة إلى الشعب صاحب المصلحة الحقيقة في إدارة دولته ومصالحه من خلالها. وعلى هذا الأساس تأتي العلمانيّة في الحقيقة  كرابطة أيضاً تشدّ الإنسان مع أخيه الإنسان, بعيداً عن أي مرجعية متخلفة طائفيّة كانت أو مذهبيّة أو عشائريّة أو قبليّة. أي تشدّ مكونات المجتمع جميعاً وتقذفهم في  عالم المواطنة والمشاركة السياسيّة في قيادة الدولة والمجتمع. بينما يظل الدين حالة فرديّة (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) له احترامه وتقديره وعدم المساس بخصوصياته طالما هي لا تقصي الآخر المختلف ولا تحط من قيمته أو تسيئ للوطن.

علينا أن ندرك إن أهداف ومقاصد الدين في عصرنا هي غير مقاصد وأهداف السياسة إلى حد كبير, فإذا كانت أهداف الدين تقوم على تربية المواطن الذي ولد على الفطرة نقيّاً غير ملوث بمفاسد الواقع الاجتماعي كما يقول رجال الدين, إلا أن هذا الواقع راح يعمل على تلويث هذا الإنسان وإفساده شيئاً فشيئاً, فالكثير من رجال الدين أنفسهم بسبب تغذيتهم الفرد على قيم الطائفة والمذهب, مبعدين إياه عن حالته الفطريّة النقيّة التي يدعوا إليها الدين الحنيف, قد ساهموا بالتالي في تلويث البنية الاجتماعية بالروح الطائفة والفرقة الناجية, وهنا  لا بد من تنقية هذا الفرد روحيّاً واخلاقيّاً وفقاً لمبادئ وأهداف السياسة العقلانيّة التنويريّة ومقاصدها كما تريدها العلمانيّة أو تبشر بها, فهي ترمي إلى تربية الإنسان قبل أي شيء على روح المواطنة, أي كمواطن دولة لها أنظمتها وقوانينها ومؤسساتها التي تعمل على نشر وتجذير محبة الوطن وعدم التفريق أو التمييز بين أبنائه من ذكر وأنثى, أو التمييز في اللون أو الدين أو الطائفة أو المذهب, مثلما هي قائمة – أي هذه الأنظمة والقوانين والمؤسسات العلمانيّة – على نشر وتجذير العدالة والمساواة والحريّة واحترام الرأي والرأي الاخر, وضرورة مشاركة الجميع في إدارة شؤون الدولة والمجتمع, أي الايمان بالتعدديّة السياسيّة وتداول السلطة.

بشكل عام إن المراد من (التربية المدنيّة) هذه, هو معرفة الإنسان للصح والخطأ الذي تحدده مصالح الناس في حالات تطورها وتبدلها, وليس على طريقة الحرام والحلال التي تحددها قيم معيارية ثابته لكل زمان ومكان, وهي قيم الدين التي لا تقبل التعديل او المراجعة أو النقد.

كاتب وباحث وناقد من سوريّة.

[email protected]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) – كارل لوفيت – من هيجل إلى نتشه – تعريب ميشيل كيلو – ج! – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق 1989 – ص102

(2) – المرجع نفسه – ص102